يضاف إلى ذلك أن الأسرى الذين كانوا يقعون في يد الإسلام كانوا يعاملون تلك المعاملة الكريمة التي وصفناها من قبل ، ولا يلقون الهوان والتعذيب ، وكان يفتح أمامهم باب التحرر حين تسعى نفوسهم إليه وتحتمل تبعاته ، وإن كان معظمهم في الواقع لم يكن حراً قبل أسره ، إنما كان من الرقيق الذي استرقه الفرس والرومان ودفعوه إلى قتال المسلمين .
فكأن الأمر في الحقيقة لم يكن استرقاقاً من أجل الاسترقاق . ولا كان الرق أصلاً دائماً يهدف الإسلام إلى المحافظة عليه ، فاتجاه الإسلام إلى تحرير الرقيق هو الاتجاه البارز الذي تشير كل الدلائل إليه .
وإنما هو وضع موقوت يؤدي في النهاية إلى التحرير .
تقوم الحرب بين المسلمين وأعداء الإسلام فيقع بعض الأسرى من الكفار في يد المسلمين، فيصبحون – في بعض الحالات ، لا في كل الحالات ولا بصورة حتمية – رقيق حرب ، فيعيشون فترة من الزمن في جو المجتمع الإسلامي ، يبصرون عن كثب صورة العدل الرباني مطبقاً في واقع الأرض ، وتشملهم روح الإسلام الرحيمة بحسن معاملتها واعتباراتها الإنسانية ، فتتشرب أرواحهم بشاشة الإسلام ، وتتفتح بصائرهم للنور .. وعندئذ يحررهم الإسلام بالعتق في بعض الأحيان ، أو بالمكاتبة إن تاقت نفوسهم إلى الحرية وسعوا إليها .
وبذلك تصبح الفترة التي يقضونها في الرق في الحقيقة فترة علاج نفسي وروحي ، قوامه إحسان المعاملة لهم ، وإشعارهم بآدميتهم المهدرة ، وتوجيه أرواحهم إلى النور الرباني بغير إكراه .. ثم في النهاية يكون التحرير ..
وذلك كله في حالة الاسترقاق . وليست هي السبيل الوحيد الذي يسلكه الإسلام ، كما يتضح من آية التشريع ، ومن السلوك العملي للرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف الغزوات .
أما النساء فقد كرمهن - حتى في رقهن - عما كن يلقين في غير بلاد الإسلام . فلم تعد أعراضهن نهباً مباحاً لكل طالب على طريقة البغاء ( وكان هذا هو مصير أسيرات الحروب في أغلب الأحيان ) وإنما جعلهن ملكاً لصاحبهن وحده ، لا يدخل عليهن أحد غيره ، وجعل من حقهن نيل الحرية بالمكاتبة ، كما كانت تحرر من ولدت لسيدها ولداً ويحرر معها ولدها ، وكن يلقين من حسن المعاملة ما أوصى به الإسلام .
* * *
تلك قصة الرق في الإسلام : صفحة مشرفة في تاريخ البشرية . فالإسلام لم يجعل الرق أصلاً من أصوله ، بدليل أنه سعى إلى تحريره بشتى الوسائل ، وجفف منابعه كلها لكي لا يتجدد ، فيما عدا المنبع الواحد الذي ذكرناه وهو رق الحرب المعلنة للجهاد في سبيل الله . وقد رأينا أن الرق فيها ليس ضربة لازب ، وأنه – إن حدث – فلفترة موقوتة تؤدي في النهاية إلى التحرير ..
أما ما حدث في بعض العهود الإسلامية من الرق في غير أسرى الحروب الدينية ، ومن نخاسة واختطاف وشراء لمسلمين لا يجوز استرقاقهم أصلاً ، فإن نسبته إلى الإسلام ليست أصدق ولا أعدل من نسبة حكام المسلمين اليوم إلى الإسلام بما يرتكبونه من موبقات وآثام !
وينبغي أن نجعل بالنا إلى عدة أمور في هذا الموضوع .
الأول : هو تعدد منابع الرق عند الدول الأخرى بغير ضرورة ملجئة سوى شهوة الاستعباد ، من استرقاق أمة لأمة ، وجنس لجنس ، واسترقاق للفقر . واسترقاق بالوراثة من الميلاد في طبقة معينة ، واسترقاق بسبب العمل في الأرض إلخ ، وإلغاء هذه المنابع كلها في الإسلام ، فيما عدا المنبع الوحيد الذي شرحنا ظروفه من قبل .
والثاني : أن أوربا مع تعدد موارد الرق فيها بغير ضرورة ، لم تلغ الرق حين ألغته متطوعة ، وكتابهم يعترفون بأن الرق ألغي حين ضعف إنتاج الرقيق – لسوء أحوالهم المعيشية وفقدان الرغبة أو القدرة على العمل – بحيث أصبحت تكاليف العبد من إعاشة وحراسة أكثر من إنتاجه ! ! فهي إذن حسبة اقتصادية لا غير ، يحسب فيها المكسب والخسارة ، ولا ظل فيها لأي معنى من المعاني الإنسانية التي تشعر بكرامة الجنس البشري ، فتمنح الرقيق حريته من أجلها ! هذا بالإضافة إلى الثورات المتتابعة التي قام بها الرقيق فاستحال معها دوام استرقاقه .
ومع ذلك فإن أوربا حينئذ لم تمنحه الحرية . ولكنها حولته من رقيق للسيد إلى رقيق للأرض ، يباع معها ويشترى ، ويخدم فيها ، ولا يجوز له أن يغادرها ، وإلا اعتبر آبقاً وأعيد إليها بقوة القانون مكبلاً بالسلاسل مكوياً بالنار . وهذا اللون من الرق هو الذي بقي حتى حرمته الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر ، أي بعد أن قرر الإسلام مبدأ التحرير بما يزيد على ألف ومائة عام .
والأمر الثالث : أنه لا يجوز أن تخدعنا الأسماء . فقد ألغت الثورة الفرنسية الرق في أوربا ، وألغى لنكولن الرق في أمريكا ، ثم اتفق العالم على إبطال الرق .. كل ذلك من الظاهر . وإلا فأين هو الرق الذي ألغي ؟ وما اسم ما يحدث اليوم في كل أنحاء العالم ؟ وما اسم الذي كانت تصنعه فرنسا في المغرب الإسلامي ؟ وما اسم الذي تصنعه أمريكا في الزنوج ، وانجلترا في الملونين في جنوب افريقيا ؟