و من التحريف الذي مارسه النصارى تحريف المعاني و من ذلك الخلط الذي وقعوا به و نسبوه للقرآن الكريم، فقد زعموا أن قوله تعالى في قصة موسى ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ يتحدث عن الطوفان الذي وقع زمن نوح، فهو بذلك يخلط بين حديثين متباعدين في الزمان.
و القرآن قد فصل في الحديث عن طوفان نوح، و أشار إلى الهلاك الذي أحدثه فيما ذكر طوفاناً صغيراً كان أحد ما عذب به الذين كفروا بموسى عليه السلام
وكما ذكر القرآن طوفان نوح العظيم و طوفان موسى بمصر، كذا ذكرت التوراة الطوفانين، فطوفان نوح تحدث عنه سفر( التكوين 7/10-24) ثم تحدثت عن طوفان آخر أصاب مصر انتقاماً من فرعون الذي لم يؤمن بموسى، و لم يطلق بني إسرائيل، فقد قال موسى لفرعون:" أنت معاند بعد لشعبي حتى لا تطلقه. ها أنا غداً مثل الآن أمطر برداً عظيماً لم يكن مثله في مصر" فنزل المطر و البرد ، فوعد فرعون موسى بإطلاق شعب بني إسرائيل" لكن فرعون لما رأى أن المطر و البرد و الرعود ،و قد انقطعت عاد يخطئ و أغاظ قلبه هو و عبيده…"(الخروج 9/17-34).
و من التحريف أيضاً ما قاله الحداد الخوري في تعقيبه على قوله تعالى ﴿ و من قبله كتاب موسى إماماً و رحمة ﴾ ، فيقول الحداد:" إن محمد يصرح نهائياً بما لا يقبل الشك بأن إمام القرآن هو كتاب موسى" ، و الآية إنما تتحدث عن التوراة الصحيحة التي أنزلها الله على موسى فكانت لقومه إماماً و رحمة كما وصفت في آيات أخر بأنها هدى و نور ، و ليس في النص صريحاً -كما زعم الحداد- أن التوراة إمام للقرآن .
و يتحدث كتاب " الاستحالة " عن قضية صلب المسيح فيقول:" أما النص الوارد في سورة النساء ، و الذي قد يبدو فيه معنى إنكار المسيح و موته حيث جاء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم ﴾ فإن هذه الكلمات التي يراها البعض ضد الإيمان المسيحي بالصلب هي في الواقع دليل على الصلب ، و لكنها تكذيب لليهود في قولهم ﴿ إنا قتلنا المسيح ﴾ لأن اليهود لم يقتلوه و لم يصلبوه، لأنهم لم يكونوا أصحاب السلطة و الحكم أيام ظهور السيد المسيح بالجسد ، و إنما كانت السلطة بيد الرومان ، لذلك فالرومان هم الذين نفذوا الحكم بصلب السيد المسيح ، و قد خيل لليهود ، و شبه لهم بأنهم قتلوا السيد المسيح و صلبوه، لأنهم كانوا أصحاب شكاية ، فعندما أجيبت شكواهم تخيلوا بذلك
و هذا الإغراب في التفسير لم ينقل عن أحد من مفسري القرآن و لو على وجه ضعيف ، و هل يعقل ألا ينسب القتل لليهود إلا إذا قاموا بأنفسهم بمباشرة القتل ، و أما ذهابهم في جمع من الشيوخ و رؤساء الكهنة للقبض على المسيح ، ثم محاكمته و الحكم عليه بالموت و دفعه للحاكم الروماني لينفذ الحكم ، ثم إصرارهم على التنفيذ ، و رفض إطلاقه بعد أن اقتنع الحاكم أنه بار وبريء ، و عرض عليهم إطلاقه ، فصرخوا و هاجوا : اصلبه . فخاف بيلاطس من الفتنة ، فامتثل لأمرهم بعد أن اتهموه بأنه لا يحب القيصر….
أفبعد ذلك كله يقال بأن اليهود ليسوا هم القتلة، بل الحاكم الروماني ، ثم ماذا عن قوله تعالى ﴿ و ما قتلوه يقيناً * بل رفعه الله إليه ﴾ ثم على أي حال فإن الآيات لم تكن تناقش من القاتل اليهود أم الرومان ، إنما كانت تؤكد نجاة المسيح مما ظنه اليهود من أنهم تمكنوا منه و قتلوه.
و مثله حرف القس أنيس شروش المعنى في قوله ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس و جدها تغرب في عين حمئة ﴾ فقال شروش :" لقد كان الخرافيون القدامى في عصر محمد يعتقدون أن الشمس تغرب في ينبوع" يقول القفال في تفسير هذه الآية" قال بعض العلماء : ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغرباً و مشرقاً حتى وصل إلى جرمها و مسها ، لأنها تدور مع السماء حول الأرض، من غير أن تلتصق بالأرض ، و هي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض ، بل هي أكبر من الأرض أضعافاً مضاعفة ، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب و من جهة المشرق ، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة ، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض " .
و يقول سيد قطب في بيان معنى هذه الآية : " مغرب الشمس هو المكان الذي تغرب عنده وراء الأفق ، و هو يختلف بالنسبة إلى المواضع ، فبعض المواضع يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف الجبل ، .تغرب في الماء كما في المحيطات … و الظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي، … فرأى الشمس تغرب فيه.
و الأرجح أنه كان عند مصب أحد الأنهار حيث تكثر الأعشاب ، و يجتمع حولها طين لزج هو الحمأ ، و توجد البرك، و كأنها عيون الماء…عند هذه الحمأة وجد ذو القرنين قوماً…" .
و هكذا يكشف علماؤنا هذا التحريف للنصراني ، فالقرآن لم يقل بأن الشمس غربت في عين حمئة ، بل ذكر ما رآه ذو القرنين ﴿ وجدها تغرب في عين حمئة ﴾ .