تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكفي هذا لدحض الشبهة الجاهلة . كما يكفي كذلك أن نذكر أن جميع الحركات التحريرية في الشرق الإسلامي كانت من وحي الدين . حركة الشعب المصري ضد الاحتلال الفرنسي كانت حركة علماء الدين . والثورة على ظلم محمد علي كان رائدها السيد عمر مكرم الزعيم الديني .

والثورة على الإنجليز في السودان كان زعيمها المهدي الكبير وهو زعيم ديني . والثورة على الطليان في ليبيا ، وعلى الفرنسيين في المغرب كلها حركات دينية . وثورة الإندونيسيين على هولندا كانت ثورة باسم الدين وعلى أساس الدين .

في كل مكان ثورة تشهد بأن هذا الدين قوة تحريرية . لا دعوة للاستخذاء والرضى بالظلم والهوان . ولكنا لا نكتفي بهذه الحقيقة الواقعة الواضحة الدلالة ، بل نمضي في مناقشة الشبهة الجاهلة التي تتعلق بتخدير الكادحين عن طلب العدالة الاجتماعية والتوزيع الاقتصادي العادل ، وهي أهم ما تلوكه ألسنة الشيوعيين .

* * *

يقول المفسرون في آية : " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " إنها نزلت بشأن إمرأة قالت : لماذا يختص الرجال بالجهاد في سبيل الله وتحرم من ذلك النساء ؟ وقيل إنها نهي عن التمني الفارغ مع القعود عن العمل ، لأنه يؤدي إلى الحسد - وهو شعور منحرف - دون إنتاج عملي يفيد منه المجموع . أي أنها دعوة للناس أن يعملوا ما ينالون به الفضل ، بدل أن يتمنوا وهم قاعدون .

أمّا الآية الأخرى : " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم .. " فهي دعوة إلى الاستعلاء على القيم المادية ، التي قد تدعو إلى إكبار أصحابها في أعين المحرومين منها . والخطاب فيها على الأرجح موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لإصغار شأن الكافرين الذين في أيديهم من متاع الحياة الشيء الكثير ، ولكنه هو أعلى منهم بما معه من الحق القوي. فهي في واد آخر غير ما يفهمه منها السطحيون !

ويظهر أن هؤلاء المفسرين في صدر الإسلام كانوا يعلمون أن الشيوعية ستظهر بعد ألف عام ، وأن دعاتها سيتهمون الإسلام ، فقاموا ينفون عنه التهمة ، وينتحلون التفاسير التي تحول الحق عن وجهته ، فأبدوا هذه الآراء التي تحمل الرد الكافي على الشيوعيين وغير الشيوعيين !

ومع ذلك فنحن نفترض جدلاً أن هذه الآيات وأشباهها تدعو للرضى بالواقع وعدم التطلع إلى ما في يد الآخرين . فمتى تصح هذه الدعوة ؟ ومتى تتعين إطاعتها ؟

إن الإسلام ينبغي أن يؤخذ كله ، ولا يجعل أجزاء وتفاريق يؤخذ بعضها ويترك البعض الآخر .

وهذه الدعوة للفقراء والمحرومين أن يصبروا ولا يتطلعوا إلى ما عند الأغنياء ، هي إحدى كفتي الميزان . وتقابلها من الجانب الآخر دعوة مثلها أو أشد منها إلى الأغنياء ألا يستأثروا بأموالهم ، بل ينفقوها في سبيل الله ؛ وتهديد لهم شديد بما ينالهم من العقاب في الآخرة على هذه الأثرة البغيضة .

فإذا نظرنا إلى المسألة على هذا الوضع فالكفتان متوازنتان : إنفاق في جانب واحتفاظ بالكرامة عن ذل التطلع ، وبنظافة النفس من الحقد في جانبٍ آخر . وبهذا وذاك يعيش المجتمع في سلامٍ نفسي يتمشى مع السلام الاقتصادي الذي يوزع الثروة على الجميع ، فلا يوجد مترف هنا ومحروم هناك . وقد تحدثنا من قبل عن " الإنفاق " وصوره المتعددة التي يمكن أن تنفذ في العصر الحديث بما ينفي عنها صفة الإحسان ، ويدخلها في باب التعاون الإنساني الكريم . فلا نحتاج إلى العودة إلى هذه المسألة من جديد ، ولكنا نقول : إنه حين يعيش المجتمع على هذه الصورة فلن يكون هناك ظلم يطلب من المظلومين الرضاء به ، أو حرمان اقتصادي يؤمرون بالخضوع له .

أما حين ينكل الأغنياء عن واجبهم في الإنفاق ، وتحمل تكاليف الخدمة الاجتماعية لمجموع الشعب ، فمن ذا الذي يدعو الفقراء والمحرومين إلى الرضى بما هم فيه من حرمان ؟ !

الإسلام يصنع ذلك ؟

الإسلام الذي يهدد الراضين بالظلم ، القاعدين عن مكافحته ، بسوء المصير في الدنيا والآخرة ؟

" إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم : قالوا فيم كنتم ؟ قالوا : كنا مستضعفين في الأرض . قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً . إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ؛ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله عفواً غفوراً ( ) " .

إنها إذن جريمة لا ينفع فيها اعتذار . جريمة أن يرضى الإنسان بالظلم بحجة أنه ضعيف في الأرض . والقرآن يسميهم ظالمي أنفسهم ، حين رضوا لها غير الوضع الكريم الذي أراده الله للناس ، ودعاهم إلى تحقيقه بكل ما يستطيعون من جهد .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٨١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٨١٤