n ومما يؤكد أن هذه الأخلاق صفة ثابتة له، وصفه من ألصق الناس به – زوجاته صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن- بالأخلاق العظيمة، فقالت أم المؤمنين خديجة t في وصفه – لما نزل عليه الوحي وخاف على نفسه وقال: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي " فقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ كَلاَّ اَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ اَبَدًا وَاللَّهِ اِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقّ، ووصفته أم المؤمنين عائشة t لما سئلت عن خلقه بقولها (كان خلقه القرآن؛ يرضى برضاه ويسخط بسخطه)، أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كيف حياته وفق هدي القرآن، فكان ممتثلاً لكل ما يدعو إليه القرآن الكريم، مجتنباً لكل ما ينهى عنه، وعليه فكل خلق ذكر في القرآن فهو من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم يستوى في ذلك ما وصف به أو وُجِّه إليه أو أُمر به المؤمنون أو أُثني به علي الأمم السابقة.
n أيها الإخوة: وأما التزكية الثالثة: فوصفه بالرأفة والرحمة: ومن المعلوم أن وصفه صلى الله عليه وسلم بالرأفة والرحمة يندرج تحت وصفه بالخلق العظيم ولكن لأهمية هذا الخلق في التعامل ولاختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بجوانب من الرحمة لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء –عليهم السلام- أبرز القرآن هذا الخلق في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك أن بعثة الأنبياء السابقين كانت رحمة لأتباعهم فقط، بمعنى أن الله ينجي الرسول وأتباعه، أما المكذبين فقد جرت سنة الله أن يصيبهم بالخسف والمسخ والهلاك...في حين أن الله عافى المكذبين لرسوله صلى الله عليه وسلم من هلاك الاستئصال والخسف والمسخ؛ لكونه صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للعالمين؛ مؤمنهم وكافرهم، كما قال تعالى﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الانبياء:107)، ولا حظ قوله: للعالمين، وليس للمسلمين، وهو تفسير ابن عباس t ، ولم تقف رحمته صلى الله عليه وسلم عند الآدميين، بل شملت رحمته كل ذي كبد رطبة بل حتى الجمادات، فلا عجب أن يعبر الرسول عن جوهر رسالته بقوله(إنما أنا رحمة مهداة) أخرجه الحاكم، ومن صور رحمته بأتباعه المؤمنين: تجوزه في الصلاة عند سماع بكاء الطفل مع رغبته في الإطالة، ومنها نهي الصحابة عن الوصال في الصيام، وادخار دعوته المستجابة شفعة لأمته، يقول صلى الله عليه وسلم (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة..) متفق عليه، وكذلك قيامه ليلة كاملة يبكي ويدعو لأمته. أما رحمته بالكفار، فمن صورها حرصه على هدايتهم ودعاؤه لهم، وكان يأبى الدعاء عليهم بالهلاك ويتحاشى أن يكون سبباً في هلاكهم، فقد رفض الدعاء على قبيلة دوس لمّا رفضت أن تسلم، كما لم يقبل عرض ملك الجبال بإطباق الأخشبين – جبل أبي قبيس والذي يقابله- على كفار قريش، كما لم يقبل دعوة قومه أن يدعو ربه بأن يقلب الصفا ذهباً خشية أن يكذبوا فيستحقوا نزول العذاب- كما جرت سنة الله. أما رحمته بالبهائم العمجاوات فمن صورها: حثه على الرفق بالشاه وإراحتها عند ذبحه، فعن ابن عباس t أن رجلاً أضجع شاة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أتريد أن تميتها موتات، هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها)أخرجه الحاكم، وغيرها من الصور. أعوذ بالله ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:128) ، بارك الله لي ولكم...