تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتجاوباً مع الإعراض عن الإنسان الغافل عن مبتداه الناكر لمصيره لم يستفته التعبير ولم ينتظر منه جواباً بل يجرده من الأعذار, فعدل عن أداة الاستفهام (مِما؟) إلى الأداة "مِمّ" بغير ألف لأن المقام هنا لا يتعلق بالاستفهام وإنما بالتقرير, ومثله قول العلي القدير: "عَمّ يَتَسَآءَلُونَ" [النبأ: 1], وقوله تعالى: "فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا" [النازعات:43], وقوله: "قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ" [البقرة:91], ويصلح التقرير فيها جميعاً مع التمييز بين "ما" الاستفهامية والخبرية بحذف الألف والاكتفاء بالميم مع حرف الجر (32). وأصل تركيب "مِمّ" ": (مِن) للابتداء و(مَا) بمعنى (الذي) لكن الإبهام زاد بداية الإنسان إيغالاً في الضآلة إلى حد العدم في مرأى العين, ودليل البَدء حجة دامغة لذا فاضت به محاكمات القرآن لتجريم الغافلين عن البعث وأدانهم مراراً سؤاله: (كيف بدأ الخلق؟), مثل قول العلي القدير: "أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ" [يس: 77], وقوله: "أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً" [مريم: 67], وقوله: "هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً" [الإنسان: 1], وقوله: "أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ" [القيامة: 37], وقوله: "أَفَرَأَيْتُمْ مّا تُمْنُونَ. أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ" [الواقعة: 58و59], وقوله: "كَلاّ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ" [المعارج: 39], وقوله: "مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً" [نوح 13و14], وقوله: "يَأَيّهَا الإِنسَانُ مَا غَرّكَ بِرَبّكَ الْكَرِيمِ. الّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ" " [الانفطار 6و7], وقوله: "أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلّن نّجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَىَ قَادِرِينَ عَلَىَ أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ" [القيامة 3و4], وكذلك قوله: "قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ" عبس 17و18, وهو كقوله تعالى: "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ. إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِر", وكأنه يقول: كيف يجرؤ أحد أن ينكر قدرة الله على البعث والحساب ولو حديثاً في النفس! ألم يعلم كيف كان قبل خلقه ويدرك تلاحق الذرية!, فالظاهر السؤال والمعنى التقرير والاحتجاج للإفحام, وتلمس تعجب وإعراض وتبكيت وتقريع في جو تشوبه هيبة وغلبة وتمكن واستعلاء ويصاحبه إيقاع كأنما هو في الحس قرع الطبول في ساحة معركة أو كما لو كانت قاعة المحاكمة ليست لإصدار الحكم فحسب بل ساحة لتنفيذ حكم الإعدام؛ فلا يملك المعاند إلا أن يسمع الحكم مأخوذاً بكشف السرائر مستسلماً لهدير دلائل التجريم, وهذا أسلوب عجيب فريد جامع لا يبلغه اليوم أي كتاب يُنسب للوحي قد بلغ الذروة في التصوير وثراء المعني مع الغاية في إيجاز اللفظ, وهكذا يتصل العرض وينقلك في ومضة من مشاهد بدايات مقدرة تسبق وجود الإنسان إلى حيث يقف عاجزا معرَُى السريرة ليواجه مصيره وحده بلا أعوان فيتجلى بتلك النقلة الكبيرة الفارق في أحواله, وسرعة النقلة تؤكد سبق التقدير وتجلي قدرة الله وواسع تدابيره وحكمته؛ ناطقةً:

"إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ". قال ابن عاشور: "التقدير: إن رأيتم البعث محالاً "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ" ليعلم أن الخلق الثاني ليس بأبعد من الخلق الأول, فهذه الفاء مفيدة مفاد فاء الفصيحة, والنظر نظر العقل وهو التفكر المؤدي إلى علم شيء بالاستدلال, فالمأمور به نظر المنكر للبعث في أدلة إثباته" (33). وقال ابن القيم: "والتفكر في القرآن نوعان: تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه, فالأول تفكر في الدليل القرآني والثاني تفكر في الدليل العياني, الأول تفكر في آياته المسموعة والثاني تفكر في آياته المشهودة, ولهذا أنزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه ويعمل به.., قال تعالى:

"أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ. ثُمّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّىَ. فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىَ" [القيامة: 36-40], وقال تعالى: "أَلَمْ نَخْلُقكّم مّن مّآءٍ مّهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مّكِينٍ. إِلَىَ قَدَرٍ مّعْلُومٍ. فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ" [المرسلات: 20-23], وقال:

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٧٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٧٤٥