ثم يقال كذلك : إن النقد الخارجي للأحاديث أي نقد الأسانيد الذي وصفوه بأنه شكلي - يتصل اتصالاً وثيقاً بالنقد الداخلي أو نقد المتون ، وذلك لأن توثيق الراوي لا يثبت بمجرد عدالته وصدقه وديانته ، بل لا بد من اختبار ضبطه أيضاً ، ولا يكون ذلك إلا بعرض مروياته على روايات الثقات الآخرين ، قال ابن الصلاح : " يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدنا رواياته موافقة لهم ولو من حيث المعنى ، أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحْتَجَّ بحديثه " ، وبناء على ذلك نشأت علوم جديدة كلها ناتجة عن مقابلة المتن المروي مع الأحاديث الأخرى ، كالمدرج ، والمضطرب ، والمقلوب ، والمصحف ، وزيادات الثقات ، كما نشأت علوم أخرى تبحث في المتن من حيث درايته كغريب الحديث ومختلفه ، وأسباب وروده ، وناسخه ومنسوخه ، ومشكله ومحكمه ، وكل ذلك يدخل في إطار نقد المحدثين للمتون واعتنائهم بها .
ومن الأمور التي استعان بها أئمة هذا الشأن في نقدهم للمتون التاريخ ، فقد ضبطوا تواريخ الرواة ، وسنين ولادتهم ووفاتهم ، ورحلاتهم وأوطانهم ، وشيوخهم وتلاميذهم ، وذلك للكشف عن مروياتهم ، ومعرفة من أدركوه ممن لم يدركوه ، فالراوي الذي يدعي سماع شيخ لم يدركه ، أو يذكر أمراً يكذبه التاريخ يحكم على روايته بالطرح والترك ، ومما يذكر في ذلك ما جرى في زمن الحافظ الخطيب البغدادي حين أظهر بعض اليهود كتاباً بإسقاط النبي - صلى الله عليه وسلم - الجزية عن يهود خيبر ، وفيه شهادة الصحابة ، فعرضه الوزير آنذاك على الخطيب البغدادي فقال : هذا مزوَّر ، فقيل له من أين قلت هذا ، قال " فيه شهادة معاوية وهو أسلم عام الفتح بعد خيبر ، وفيه شهادة سعد بن معاذ ومات قبل خيبر بسنتين .
وقال إسماعيل بن عياش : كنت بالعراق فأتاني أهل الحديث ، فقالوا : هاهنا رجل يحدث عن خالد بن معدان ، فأتيته فقلت : أي سنة كتبت عن خالد بن معدان ، فقال : سنة ثلاث عشرة يعني ومائة ، فقلت أنت تزعم أنك سمعت بعد موته بسبع سنين.
يضاف إلى سبق ما وضعه المحدثون من أصول عامة ، وقواعد كلية يعرف بها الوضع في الحديث ، من غير رجوع إلى سنده ، وكلها متعلقة بالمتن ، وهي المعروفة عندهم بعلامات الوضع ، حيث جعلوا من علامات الوضع في الحديث مناقضته الصريحة للقرآن الكريم ، أو السنة المتواترة ، أو الإجماع القطعي ، وركاكة لفظه أو معناه بحيث يشهد الخبير بالعربية باستحالة صدور مثل هذا الكلام عن أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء - صلى الله عليه وسلم - ، أو اشتماله على مجازفات ومبالغات لا تصدر عن عاقل حكيم ، أو أن يتضمن إفراطاً بالوعد العظيم على الأمر الصغير ، أو الوعيد الشديد على الأمر الحقير ، أو مخالفته للحس والمشاهدة ، أو أن يكون خبراً عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله ثم لا ينقله إلا واحد ، أو مناقضته للحقائق التاريخية الثابتة مثل الحديث المتقدم في وضع الجزية عن أهل خيبر ، أو أن يكون موافقاً لمذهب الرواي وهو متعصب غالٍ في تعصبه ، إلى غير ذلك من العلامات التي يدركها جهابذة هذا العلم ومن لهم خبرة بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة تامة بسننه وأحواله .
يقول الربيع بن خثيم : "إن من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار نعرفه به ، وإن من الحديث حديثا له ظلمة الليل نعرفه بها " ، ويقول ابن الجوزي : " الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم ، وينفر منه قلبه في الغالب " ، وقال : " ما أحسن قول القائل : " إذا رأيت الحديث يباين المعقول ، أو يخالف المنقول ، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع" .
وإن نظرة إلى كتب الموضوعات ، تنبئك بما بذله العلماء من جهود جبارة في نقد المتون وتمحيصها ، في منهج غاية في العمق والموضوعية ، بعيد كل البعد عن السطحية والشكلية ، بما لا يدع مجالاً لطعن طاعن أو تشكيك مغرض ، فكيف يقال بعد ذلك كله إن متن الحديث لم يلق من العناية والاهتمام ما لقيه الإسناد ؟! ، وصدق الله : ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ، وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ ( الرعد 17)
المراجع :
- أصول منهج النقد عند أهل الحديث د . عصام البشير .
- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي د. مصطفى السباعي
- المستشرقون والحديث النبوي د.محمد بهاء الدين .
- منهج النقد في علوم الحديث د. نور الدين عتر .
- دفاع عن السنة د. محمد أبو شهبة .
- موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية الأمين الصادق الأمين
===============