يقول " أحمد أمين " في كتابه ( فجر الإسلام ) : " وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها ، ولكنهم - والحق يقال - عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن " ، ثم فصل هذا بقوله : " فقلَّ أن تظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتفق والظروف التاريخية ، أو أن الحوادث التاريخية تناقضه ، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي ، يخالف المألوف من تعبير النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا .." .
ويقول في ( ضحى الإسلام ) : " وفي الحق أن المحدثين عنوا عناية تامة بالنقد الخارجي ، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي " .
ويقول " محمود أبو رية : " والمحدثون لا يعنون بغلط المتون ، ويقولون متى صح السند صح المتن " .
ويقول " أحمد عبد المنعم البهي " : " إن رجال الحديث كان كل همهم منصرفاً إلى تصحيح السند والرواية دون الاهتمام بتمحيص متن الحديث نفسه الذي هو النص " .
مع أنه من المعلوم الواضح لدى كل من له أدنى معرفة وإلمام بهذا العلم ، أن المحدثين لم يألوا جهداً في نقد المتون والكشف عنها كما فعلوا تماماً في الأسانيد ، فعندما عرَّفوا الحديث الصحيح اشترطوا لصحته خلوه من الشذوذ ، وسلامته من العلة القادحة ، وبينوا أن الشذوذ والعلة تقدحان في المتن كما تقدحان في الإسناد ، ومن ثم قرروا قاعدتهم المعروفة وهي أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن ، فقد يصح إسناد حديث مَّا ، مع أن في متنه علة قادحة تقدح في صحته ، أو يكون هذا المتن شاذاً مخالفاً لما روي عن الثقات الأثبات ، مما يؤكد على أنهم لم يُغْفِلوا متن الحديث وهم يبحثون شروط الأحاديث المحتج بها.
ثم إن ما أطلقوا عليه اسم النقد الداخلي - الذي يعنون به النظر في المتون - كان سابقاً في عهده على النقد الخارجي ، فقد استعمل الصحابة رضي الله عنهم هذا المقياس في فحص الأحاديث ، دون الوقوف عند الإسناد ، لما عُلم من عدالتهم وصدقهم ، وذلك أن السؤال عن الإسناد والإلزام به ، بدأ في مرحلة متأخرة عقب الفتنة التي بدأت بمقتل عثمان رضي الله عنه ، وأما النظر في متن الحديث فقد استعمل قبل ذلك من قِبَل الصحابة رضي الله عنهم ، من خلال عرض بعض الروايات على ما تقرر عندهم من الأصول والقواعد ، ومحكمات الكتاب والسنة ، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن عمر رضي الله عنه سمع حديث فاطمة بنت قيس وأن زوجها طلقها ثلاثاً فلم يجعل لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكنى ولا نفقة فقال عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة ، قال الله عز وجل : ﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ ( الطلاق:1) ، ومثله ما أخرجه الشيخان أن عائشة رضي الله عنها سمعت حديث عمر وابنه عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) فقالت : رحم الله عمر والله ما حدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله يعذب المؤمنين ببكاء أحد ، ولكن قال : إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ، وقالت حسبكم القرآن : ﴿ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ( فاطر 18) ، زاد مسلم : " إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطيء " .
وليس الغرض من إيراد هذه الأمثلة بيان صواب هذا الاجتهاد أو ذاك ، فقد يخالفه غيره من الصحابة في هذا الاجتهاد ، وقد يكون هناك وجه للجمع خفي عليه فقضى برد الحديث ، إلى غير ذلك من الأسباب ، ولكن الغرض بيان أن مقياس نقد المتون وعرضها على المحكمات والأصول الثابتة قد وجد مبكراً منذ عهد الصحابة حتى قبل دراسة الأسانيد .