ولأهمية هذا العلم وأثره في ضبط السنة وحفظها ، وسدِّ الأبواب أمام المتلاعبين ، جاء الطعن فيه من قبل المستشرقين والمستغربين على حد سواء ، حيث نبتت نابتة في الأزمة المتأخرة زعمت أن جرح الرواة وتعديلهم لم يكن مضبوطاً بضوابط معروفة ، بل كان قائماً على الفوضى والمزاجية ، وبحسب ما تمليه الظروف والأهواء والحظوظ النفسية ، فليس هناك قواعد علمية دقيقة يحتكم إليها المحدثون ، ولهذا كان للاختلاف المذهبي والطائفي أثره في تحامل المحدثين في حكمهم على بعض الرواة ، حيث وثقوا من لا يستحق التوثيق ، وضعفوا من لا يستحق التضعيف ، وبالتالي صححوا أحاديث لم تكن لتبلغ هذه الدرجة ، مما يوجب عدم الثقة بمنهجهم في الجرح والتعديل ، ورد كثير من الروايات التي أثبتوها بناء على ذلك .
قال " جوينبل " : " والحكم على قيمة المحدث قد يختلف اختلافاً بيناً ، فربما كان ثقة عند قوم ، ولكن عند غيرهم كانوا يعدونه في منتهى الضعف ، وربما اعتبروه كاذباً في روايته ".
ويقول " أحمد أمين " في ضحى الإسلام : " إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف فبعض يوثق رجلاً ، وآخر يكذبه ، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها ، ثم كان المحدثون أنفسهم يختلفون في قواعد التجريح والتعديل ، فبعضهم يرفض حديث المبتدع مطلقاً كالخارجي والمعتزلي ، وبعضهم يقبل روايته في الأحاديث التي لا تتصل ببدعته ، .... - إلى أن قال - : وبعض المحدثين يتشدد فلا يروي حديث من اتصلوا بالولاة ، ودخلوا في أمر الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم ، وبعضهم لا يرى في ذلك بأساً متى كان عدْلاً صادقاً ، وبعضهم يتزمت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها .... إلى غير ذلك من أسباب يطول شرحها ، ومن أجل ذلك اختلفوا اختلافاً كبيراً في الحكم على الأشخاص ، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايتهم والأخذ عنهم " .
ويقول في فجر الإسلام " وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح ، فأهل السنة يجرحون كثيراً من الشيعة ، حتى إنهم نصوا على أنه لا يصح أن يروى عن علي ما رواه أصحابه وشيعته ، إنما يصح أن يروى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود ، وكذلك كان الشيعة من أهل السنة فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت وهكذا ، ونشأ عن هذا أن من يُعَدِّله قوم قد يجرحه آخرون ، قال الذهبي : " لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف ، ولا تضعيف ثقة " ، ومع ما في هذا القول من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في التجريج والتعديل " .
ويقول " أبو رية " : " إن علماء الجرح قد اختلفوا في الجرح والتعديل باختلاف مذاهبهم وأحوالهم " .
ولرد هذا الكلام المتهافت ينبغي أن يعلم بداية أن التجريح والتعديل لم يكن متاحاً لأي أحد ، وأن المسألة لم تكن بهذه الفوضى والعشوائية التي يريد أن يصورها هؤلاء ، وذلك لخطورة الجرح وعظم مسؤوليته أولا ً ، فإن الكلام في أعراض الناس والإقدام على الطعن في المسلمين مزلة أقدام ، وشفا هلكة ، قال ابن دقيق العيد رحمه الله : " أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان المحدثون والحكام " .
والأمر الآخر أن ذلك يتطلب من الأهلية والمُكْنة ما لا يمكن أن يصل إليه إلا القلة من جهابذة النقاد والمحدثين ، الذين لديهم اطلاع واسع على الأخبار والمرويات وطرقها ، ومعرفة تامة بأحوال الرواة ومقاصدهم وأغراضهم ، والأسباب الداعية إلى التساهل والكذب ، والموقعة في الوهم والخطأ ، مع معرفة بأحوال الراوي وتاريخ ولادته ، وبلده ، وديانته وأمانته وحفظه وسلوكه ، وشيوخه وتلاميذه ، ومقارنة مروياته بمرويات غيره إلى غير ذلك ، وهي منزلة لا يصل إليها كل أحد ، وليس أدلَّ على ذلك من أن رواة الأخبار كثيرون يعدون بالألوف ، وأما النقاد الحاذقون فإنهم قليل لا يتجاوزن أصابع اليد في كل طبقة ، وهؤلاء الأئمة الذين بلغوا هذه المرتبة لم يبلغوها إلا بعد استيفائهم للشروط التي تؤهلهم للتصدي لهذا الأمر .
وقد قام الأئمة بهذا الواجب حسبة لله ، وصيانة لدينه ، وحفاظاً على سنة نبيه ، قال أبو بكر بن خلاد ليحي بن سعيد : " أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله ؟ فقال : لأن يكونوا خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب عن حديثي ؟" فلم يكن الحامل لهم إذاً الأهواء أو الحظوظ النفسية أو غير ذلك من المقاصد السيئة كما زعم المرجفون ، ولذلك لم يجاملوا أحداً حتى ولو أقرب الأقربين ، فوجدنا منهم من يضعف والده وولده وأخاه ، وقد سئل علي بن المديني عن أبيه فقال : اسألوا غيري ، فقالوا : سألناك ، فأطرق ثم رفع رأسه وقال : " هذا هو الدين أبي ضعيف " ، وقال أبو داود صاحب السنن " ابني عبد الله كذاب " ، وقال زيد بن أبي أنيسة : " لا تأخذوا عن أخي يحيى " ، فكيف يقال بعد ذلك إن أحكامهم كانت صادرة نتيجة بواعث نفسية ؟ .