تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر ابن كثير في تفسيره أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ،قال لكعب منكِراً : " أنت تقول : " إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا ؟ " فقال له كعب : " إن كنت قلت ذلك ، فإن الله تعالى قال : ﴿وآتيناه من كل شيء سببا ﴾( الكهف 84) ، قال ابن كثير معلقاً : " وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب هو الصواب ، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار " .

فهذا كله وغيره يؤكد على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا مغفلين مخدوعين يصدقون كل ما يلقى إليهم ، بل كانوا يتحرون الصواب ، ويردون على أهل الكتاب أقوالهم التي تستحق الرد والمراجعة .

فهل يعقل بعد هذا ، وبعد ما عرفناه من عدالة الصحابة وحرصهم على امتثال أوامر الله ورسوله ، وعدم تسليمهم لأهل الكتاب كل ما يروونه من إسرائيليات ، أن نقول بتهاونهم ، ومخالفتهم لتعاليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلاً عن رميهم بالغفلة وعدم الفطنة ، اللهم إنا نبرأ إليك من ذلك .

وأما يتعلق بالمحور الثاني من هذا الموضوع فإن أي باحث منصف لا ينكر أن الكثير من الإسرائيليات قد دخلت في الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا ، وأنهم نقلوها بحسن نية ، ولا ينكر أيضاً أثرها السيئ في كتب العلوم ، وأفكار العوام من المسلمين .

ولكن الذي لا يسلم به أن يكون عبد الله بن سلام و كعب الأحبار و وهب بن منبه وأضرابهما - ممن أسلموا وحسن إسلامهم - كان غرضهم الدس والاختلاق والإفساد في الدين .

فعبد الله بن سلام كان من خيار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن علماء أهل الكتاب الذين جمعوا علم التوراة وعلم الإنجيل ، ولا يوجد من أئمة الإسلام ، وعلماء الحديث الذين نقدوا الرجال من ناله بتهمة ، أو مسَّه بتجريح ، بل وجدناهم يعدلونه ويوثقونه ، ولهذا اعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث ، مما يدل على مبلغ علمه وسلامة دينه .

كيف وقد شهد له - صلى الله عليه وسلم - بالجنة كما في البخاري عن سعد بن أبي وقاص ، قال : ما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على الأرض : إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام قال : وفيه نزلت هذه الآية :﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله .... ﴾الآية ( الاحقاف 10) .

ومعاذ الله أن يكون عبد الله بن سلام دسيسة على الإسلام والمسلمين ، وأن يكون قد أسلم خِداعاً لينفث سمومه ، ولو كان كذلك لكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول المخدوعين فيه يوم أن جاءه مسلماً ، وقصته معروفة مشهورة مع قومه من اليهود .

ثم معاذ الله لو خُدِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه أول الأمر ، أن يظل مخدوعاً وأن يتخلى الله عن نبيه فلا ينبهه على ذلك ، في الوقت الذي يتنزل عليه القرآن صباح مساء ، ويكشف له كثيراً من أحوال المنافقين وخباياهم .

وأما ما صح عنه من بعض الروايات الإسرائيلية فلا تغض من شأنه وعلمه ، فإنها على قلتها لا تعدو أن تكون من قبيل ما أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في روايته ، ولا يمكن أن تخدش في عدالته ، أو تضعف الثقة فيه ، وإلا لما اعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث .

وما نسب إليه كذباً من إسرائيليات بقصد ترويجها فليس ذنبه بل ذنب من نسبها إليه ، وكم وضع الوضاعون من أحاديث ونسبوها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو خير منه ، فما حط ذلك من قدره ، ولا غض من مقامه .

وأما كعب الأحبار فهو من التابعين الأخيار ، وقد أخرج له البخاري و مسلم وغيرهما ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام ، واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه ، فترجم له النووي في تهذيبه بقوله : " اتفقوا على كثرة علمه وتوثيقه " أهـ ، ولذا لا تجد له ذكراً في كتب الضعفاء والمتروكين.

والمتتبع لحياة كعب في الإسلام ، ومقالات أعلام الصحابة فيه ، ومن تحمل منهم عنه وروى له ، ومن أخرج له من شيوخ الحديث في مصنفاتهم ، يجد ما يدحض هذه الفرية ويرد هذه التهمة ، ويشهد للرجل بقوة دينه ، وصدق يقينه ، وأنه طوى قلبه على الإسلام المحض ، والدين الخالص ، لا على أنه دسيسة يهودية تستر بالإسلام - كما زعم الزاعمون - .

ولا يعكر عليه قول معاوية في حقه - كما في الصحيح - : " إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب " .

فهذا الكلام لا يخدش في ثقة كعب وعدالته ،بل إن في ذلك تزكية من معاوية وثناء عليه بأنه أصدق المحدثين عن أهل الكتاب ، وقول معاوية : " وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب " ، لا يراد منها اتهامه بالكذب ، وإنما المقصود أن في بعض الأخبار التي ينقلها بأمانة ما لا يطابق الواقع ، فالكذب حينئذ مضاف إلى تلك الكتب التي ينقل عنها لا إلى كعب ، وهو نحو قول ابن عباس في حقه " بدل من قبله فوقع في الكذب " .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٤٠