تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنه مع ذلك كله كان منصرفاً إلى بث السنة وخدمة العلم ، أبى أن يخوض في الفتنة التي وقعت بين علي و معاوية رضي الله عنهما ، كما أبى أن يخوضها عدد من كبار الصحابة ، اجتهاداً منهم بأن هذا هو الموقف الأسلم ، والأبرأ للذمة .

فهل هذه مواقف رجل متهم في دينه وإسلامه ، متشيع لبني أمية كما يريد أن يصوره الأفاكون المبطلون ، عليهم من الله ما يستحقون .

ومما شغب به أهل الأهواء على أبي هريرة حديث الوعائين ، وهو حديث أخرجه البخاري عنه وفيه يقول : " حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم ".

فقالوا لو صح لترتب عليه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كتم شيئاً من الوحي عن جميع الصحابة سوى أبي هريرة وهذا لا يجوز بإجماع المسلمين ، وكيف يخص أبا هريرة بعلم ، دون سائر الصحابة ممن هم أرفع منه منزلة وقدراً .

وقد أجاب أهل العلم عن المقصود بهذا الحديث فقالوا : المراد بالوعائين نوعان من الأحاديث التي تلقاها عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ، فأما النوع الأول : فهو ما يتعلق بأحاديث الأحكام والآداب والمواعظ ، وهذا هو الذي بلَّغه خشية إثم الكتمان ، وأما الآخر فهو ما يتعلق بالفتن والملاحم وأشراط الساعة ، وما سيقع للناس ، والإشارة إلى ولاة السوء ، مما لا يتوقف عليه شيء من أصول الدين أو فروعه ، فهذا هو الذي آثر ألا يذكر الكثير منه حتى لا يكون فتنة للسامع ، أو يسبب له التحديث به ضرراً في نفسه أو ولده أو ماله .

ولعل مما يؤكد ذلك رواية ابن سعد في الطبقات والتي يقول فيها : " لو حدَّثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر ، فقال الحسن : " صدق والله ، لو أخبرنا أن بيت الله يهدم ويحرق ما صدقه الناس " .

وهذا هو الذي ذكره أهل العلم في توجيه هذا الأثر ، قال الإمام ابن كثير في " البداية والنهاية " : " وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به ، هو الفتن والملاحم ، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال ، وما سيقع ، التي لو أخبر بها قبل كونها ، لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه ، وردوا ما أخبر به من الحق " أهـ .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في " فتح الباري " : " وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم ، وقد كان أبو هريرة يكنى عن بعضه ولا يصرح به ، خوفا على نفسه منهم ، كقوله : " أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان " ، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية ، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة ، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة ..... ثم قال : " ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة ، لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها ، لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم ، وقال غيره : " يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة ، وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان ، فينكر ذلك من لم يألفه ، ويعترض عليه من لا شعور له به " أهـ .

وأيا كان تأويل الحديث فليس فيه ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصه بشيء من ذلك دون غيره من الصحابة .

كل ذلك نموذج لما قيل في هذا الصحابي الجليل ، وهو يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قاله الأقدمون من أهل الأهواء ، بفارق واحد كما قال العلامة " أحمد شاكر " أن أولئك الأقدمين - زائغين كانوا أو ملحدين - كانوا علماء مطلعين ، أكثرهم ممن أضله الله على علم ، وأما هؤلاء المعاصرون فليس إلا الجهل والجرأة وترديد ألفاظ لا يفهمونها ، بل هم فيها مقلدون متبعون لكل ناعق .

وقد تعرض الحاكم رحمه الله في المستدرك لكل من تكلم في أبي هريرة رضي الله عنه ، وجعلهم أصنافاً ، وكأنما يرد على هؤلاء المعاصرين فقال رحمه الله : " وإنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم ، فلا يفهمون معاني الأخبار ، إما معطل جهمي يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم - الذي هو كفر - فيشتمون أبا هريرة ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه ، تمويهاً على الرعاع والسفل ، أن أخباره لا تثبت بها الحجة .

وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام ، إذا سمع أخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف مذهبهم الذي هو ضلال ، لم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة وبرهان ، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة .

أو قدري اعتزل الإسلام وأهله ، وكفَّر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى وقضاها قبل كسب العباد لها ، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إثبات القدر لم يجد بحجة يريد صحة مقالته التي هي كفر وشرك ، كانت حجته عند نفسه : أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٣٥