ذكرها القرطبي في تفسيره (14/190) قال مقاتل : زوّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حيناً ، ثم إنه عليه السلام أتى زيداً يوماً يطلبه ، فأبصر زينت قائمة ، و كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتمّ نساء قريش ، فهويها وقال : سبحان الله مقلب القلوب ، فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ، ففطن زيد فقال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها ، فإن فيها كبراً ، تعظم عليّ و تؤذيني بلسانها ، فقال عليه السلام : أمسك عليك زوجك واتق الله ، و قيل : إن الله بعث ريحاً فرفعت الستر و زينب مُتَفَضَّله في منزلها ، فرأى زينب فوقعت في نفسه ، و وقع ف ينفس زينب أنه وقعت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ن و ذلك لما جاء يطلب زيداً ، فجاء زيد فأخبرته بذلك ، فوقع في نفس زيد أن يطلقها .
هذه الرواية لم يذكروا لها إسناداً إلى مقاتل ، و لو صحت إلى مقاتل لم يفدها شيئاً ، فإن مقاتلاً و هو مقاتل بن سليمان فيما يظهر قد كذبه جمع من الأئمة و وصفوه بوضع الحديث ، و تكلوا في تفسيره . أنظر ترجمته في التهذيب (10/279-285 ) .
الرواية السادسة :
قال ابن إسحاق : مرض زيد بن حارثة فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده و زينب ابنة جحش امرأته جالسة عن رأس زيد ، فقامت زينب لبعض شأنها ، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طأطأ رأسه ، فقال : سبحان مقلب القلوب والأبصار ، فقال زيد : أطلقها لك يا رسول الله ، فقال : لا ، فأنزل الله عز وجل ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ...﴾ إلى قوله ﴿وكان أمر الله مفعولاً ﴾ . تعدد نساء الأنبياء و مكانة المرأة في اليهودية والمسيحية والإسلام اللواء أحمد عبد الوهاب ( ص 68 ) .
هذه الرواية لم يذكروا لها إسناداً ، و لم أقف عليها في سيرة ابن هشام .
و بعد أن تبين ضعف هذه الروايات و سقوطها من جهة أسانيدها ، فلننظر فيها من جهة متونها وما فيها من اضطراب و نكارة ، من عدة وجوه :-
الوجه الأول : تناقض الروايات المذكورة ، ففي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار زيد بن حارثة و هو غائب فاستقبلته زينب ، و في بعضها أن زيداً كان مريضاً ، فزاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و كان عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم جالساً هو و زيد و زينب ، فكيف يكون زيد غائباً و مريضاً في فراشه في وقت واحد .؟!
الوجه الثاني : والروايات التي ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار زيداً اختلفت في كيفية رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لزينب رضي الله عنها ، فرواية تقول بأنه كان واقفاً بالباب فخرجت إليه ، و رواية بأنه كان واقفاً بباب زيد فرفعت الريح ستر الشعر فرآها فأعجبته .
الوجه الثالث : تتفق الروايات على أن إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم بزينب و وقوع حبها في قلبه جاء متأخراً ، أي بعد أن تزوجها زيد رضي الله عنه ، و هذا شيء عجيب ، فلقد ولدت زينب و رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاوز الثانية عشرة من عمره ، و شبت وترعرعت أمامه ، فهي ابنة عمته ، ألم يلحظ مفاتنها إلا متأخراً ، و بعد أن صارت زوجة لدعيّه ، و هو الذي زوجها له ، والحجاب لم ينزل بعد ، فقد نزل صبيحة عرسها ، ألا يكون شاهدها ، فلوا كان يهواها أو وقعت في قلبه لما منعه شيء من زواجها ، فإشارة منه صلى الله عليه وسلم كافية لأن يقدموها له ، بل قد ورد أنه وهبت نفسها له . أنظر كلام ابن العربي حول هذا الوجه في كتابه أحكام القرآن (3/1543) .
الوجه الرابع : لو افترضنا جدلاً أن حبها وقع في قلبه صلى الله عليه وسلم متأخراً بعد رؤيته لها عند زيد بن حارثة ، فبأي شيء يمكن تفسير ما صدر منه صلى الله عليه وسلم و فهم منه زيد و زينب أنها وقعت في قلبه ، سواء كان ذلك تسبيحاً أو طأطأة للرأس ، أو غير ذلك ؟! كيف ذلك و هو الذي نهى عن أن يخبب الرجل امرأة غيره عليه ؟ أفيعمل ما قد نهى أمته عنه ؟! فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا ) أبو داود ( برقم 5170) بسند صحيح .
ولو افترضنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد إفهامها ذلك ، وإنما صدر منه ذلك عفواً دون قصد ، فكيف بما ذكروا أنه عقد عليه قلبه من محبته و رغبته أن يطلقها زيد ليتزوجها ؟ ولو نسب ذلك إلى آحاد المسلمين لكان ينبغي تبرئته من ذلك .
و فوق ذلك كله كيف يعاتبه الله كما تقول هذه الروايات لأنه أخفى ذلك عن الناس و لم يعلن أنه يحب زوجة زيد ، وأنه يود لو طلقها ليتزوجها ؟ تَصَوّرٌ مثل هذا كاف في ظهور بطلان هذه الروايات .