تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على الحال، إلاّ أنْ هذا القول يبعده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، إلا أن يكون من ترشيح المجاز، وقد تقدَّم له نظائرُ.

وقرئ «يَرْجِعُونَ» من «رجع» الاَّزم.

اعلم أن الجَسَدَ الخالي [عن] الرُّوح يظهر منه النَّتنُ والصَّديدُ، وأصْلحُ أحْوَالِهِ أن يُدْفَنَ تحت التُّرَاب، والرُّوحُ الخاليَةُ عن العَقْلِ يكون صاحبها مَجْنُونًا يستوجب القَيْدَ والحَبْسَ، والعَقْلُ بالنسبة إلى الرُّوح كالرُّوحِ بالنسبة إلى الجَسَدِ، والعَقْلُ بدُونِ معرفة الله وطَاعَتِهِ كالضَّائِعِ الباطل، فِنِسْبَةُ التوحيد والمَعْرِفَةِ إلى العَقْلِ كنسبة العَقْلِ إلى الرُّوح، ونسبة الروح إلى الجِسَدِ؛ فمعرفة الله وَمَحَبَّتُهُ هي رُوحُ الرُّوح، فالنَّفْسُ الخالِيَةُ عن هذه المعرفة تكون كَصِفةِ الأموات، فلهذا السَّبَب وُصِفَ الكُفَّارُ بأنهم مَوْتَى.

وهذا من شُبُهَاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ محمَّد ﷺ َ لأنهم قالوا: لو كان رَسُولًا من عند الله فَهَلاَّ أنْزِلَ عليه آيَةٌ قَاهِرةٌ.

روي أنَّ بعض المُلْحِدَةِ طعن فقال: لو كان مُحَمَّدٌ قد أُوتِيَ بآية مُعْجِزَةِ لما صَحَّ أن يقول أولئك الكُفَّار: لولا نُزِّل عليه آيَةٌ، ولما قال: «قُلْ إنَّ الله قادر على أن ينزل آية»

والجواب أن القرآن مُعْجِزَةٌ قاهرة وبَيِّنَةٌ باهرة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام ُ - تَحَدَّاهُمْ به فَعَجَزُوا عن مُعَارضَتِهِ، فَدَّلَ على كونه مُعْجزًا.

فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف قالوا: «لولا أُنْزِلَ عليه آية من ربّه» .

فالجواب من وجوه:

الأول: لَعَلَّ القوم طَعَنُوا في كَوْنِ القرآن مُعْجِزَةً على سبيل اللِّجَاجِ والعِنَادِ، وقالوا: إنه من جِنْسِ الكتب، والكتاب لا يكون من جِنْسِ المُعْجِزَاتِ كالتَّوْرَاةِ والإنجيل والزَّبُورِ، فلأحل هذه الشُّبْهَةِ طلبوا المُعْجِزَةَ.

الثاني: أنهم طلبوا مُعْجِزَاتٍ [قاهرة] من جِنْسِ مُعْجِزَاتِ سَائِرِ الأنبياء مثل «فلق البحر» و«إظْلال الجَبَل» و«إحْيَاء الموتى» .

الثالث: أنهم طلبوا مَزيد الآياتِ على سبيل التَّعَنُّتِ واللِّجَاجِ مثل إنْزَالِ الملائكة، وإسْقاطِ المساء كِسَفًا.

الرابع: أن يكون المراد ما حَكَاهُ الله عن بعضهم في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ٨ · الصفحة ١٢١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ٨ · ص ١٢١