تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿يا أسفا عَلَى يُوسُفَ﴾ غلبه البُكَاءُ، وعند غلبةِ البُكاءِ يكثرُ الماء في العين، فتصير العينُ كأنها ابيضَّت من بياض ذلك الماءِ، فقوله: ﴿وابيضت عَيْنَاهُ﴾ كناية عن غلبة البكاءِ. رواه الواحدي عن ابن عبَّاسٍ. وقال مقاتلٌ: كناية عن العمى، فلم يبصر بهما شيئًا حتى كشفهُ اللهُ تعالى بقميص يوسف عليه الصلاة والسلام ُ بقوله: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣]، وقال: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]: ولأنَّ الحزن الدَّائم، يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمىح لأنَّه يوجب كُدُورة على سوادِ العين.

وقيل: ما عمي، ولكنَّه صار بحيثُ يدرك إدراكًا ضعيفًا؛ كما قال: [الطويل]

٣١٣٤ - خَلِيليَّ إنِّي قَدْ غَشِيتُ مِنَ البُكَا ... فهَلْ عِنْدَ غَيْرِي مُقلَةٌ اسْتَعِيرُهَا

قيل: ما صحَّت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه، وتلك المدة ثمانون سنةن وما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب عليه الصلاة والسلام ُ.

قولهك «تَفْتَؤ» هذا جواب القسم في قوله: «تَاللهِ» وهو على حذف لا أي: لا تفتؤ كقول الشَّاعر: [البسيط]

٣١٣٥ - تَاللهِ على الأيَّامِ ذُو حَيَدٍ ... بمُشْمَخرِّ بِهِ الظَّيَّانُ والآسُ

أي: لا تبقى، ويدلُّ على حذفها: أنَّهُ لو كان مثبتًا؛ لاقترن بلام الابتداء ونون التَّوكيد معًا عند البصريين، أو إحداهما عن الكوفيين، وتقول: واللهِ أحبُّك: تريد لأحبك، وهو من التَّوريةِ، فإن كثيرًا من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثباتِ المحبَّة، و«تَفْتَأ» هنا ناقصة بمعنى لا تزال.

قال ابنُ السِّكيت: «ما زِلتُ أفعله، ما فَتِئت أفعلهُ، ما بَرحْتُ أفْعَلُه، ولا يتكلم بهنَّ إلاَّ في الجحد» .

قال ابن قتيبة: «يقال: مَا فترت ومَا فَتِئت، لغتان، ومعناه: ما نسيته، وما انقطعتْ عنه»، وإذا كانت ناقصة؛ فهي ترفع الاسم، وهو الضمير، وتنصب الخبر، وهو الجملة من قوله: «تَذْكرُ» أي: لا تزالُ ذاكرًا له، يقال: ما فَتِىء زيدٌ ذاهبًا؛ قال أوس بن حجرٍ: [الطويل]

٣١٣٦ - فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأنَّ غُبَارهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي ريَاحٍ تُرَفَّعُ

وقال أيضًا: [الطويل]

٣١٣٧ - فَمَا فَتِئَتْ خَيلٌ تَثوبُ وتدَّعِي ... ويَلحَقُ منهَا لاحِقٌ وتُقطَّعُ

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ١١ · الصفحة ١٩٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ١١ · ص ١٩٠