تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَبْلِكُمْ فلم يَنْفَعهم الحذرُ»، قاله أبو البقاء. والظاهرُ أنَّ هذا أمرٌ لهذه الأمةِ بالجهادِ، بعد أَنْ ذَكَرَ أن قومًا لم ينفعْهم الحذرُ من الموتِ، فهو تشيجعٌ لهم، فيكونُ من عطفِ الجملِ فلا يُشْتَرَطُ التوافُق في أمرٍ ولا غيرِه.

قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾: «مَنْ» للاستفهام ومَحَلُّها الرفعُ على الابتداءِ، و«ذا» اسم إشارةٍ خبرُهُ، و«الذي» وصلتُهُ نعتٌ لاسمِ الإِشارةِ أو بدلٌ منه، ويجوزُ أن يكونَ «مَنْ ذا» كلُّه بمنزلَةِ اسمٍ واحدٍ تركَّبا كقولِكَ: «ماذا صَنَعْتَ» كما تقدَّم شرحُه في قوله: ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله﴾ [البقرة: ٢٦] . ومَنَع أبو البقاء هذا الوجه وفَرَّق بينه وبين قولِكَ: «ماذا» حيثُ يُجْعَلان اسمًا واحدًا بأنَّ «ما» أشدُّ إبهامًا مِنْ «مَنْ» لأنَّ «مَنْ» لمَنْ يَعْقِلُ. ولا معنى لهذا المنعِ بهذه العلةِ، والنحويون نَصُّوا على أنَّ حكمَ «مَنْ ذا» حكمُ «ماذا» .

ويجوز أن يكونَ «ذا» بمعنى الذي، وفيه حينئذٍ تأويلان، أحدُهما: أنَّ «الذي» الثاني تأكيدٌ له، لأنه بمعناه، كأنه قيل: مَنْ الذي الذي يُقْرِضُ؟ والثاني: أن يكونَ «الذي» خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، والجملةُ صلةُ ذا، تقديرهُ: «مَنْ الذي هو الذي يُقْرِضُ» وذا وصلتُه خبرُ «مَنِ» الاستفهامية. أجاز هذين الوجهين جمالُ الدين بن مالك، وهما ضعيفان، والوجهُ ما قَدَّمْتُهُ.

وانتصَبَ «قرْضًا» على المصدرِ على حذفِ الزوائدِ، إذ المعنى: إقراضًا كقوله: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وعلى هذا فالمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديرُهُ: «يُقْرِض اللَّهَ مالًا وصدقةً»، ولا بدَّ من حذفِ مضافًٍ تقديرهُ: يقرضُ

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون · الجزء ٢ · الصفحة ٥٠٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدر المصون في علوم الكتاب المكنونج ٢ · ص ٥٠٨