(256) فائدة: بين العلم والجهل
الجهل عدمان، عدم تحصيل أصلاً، وعدم فهم ما تحصّل. والثاني أشد خطورة، وأكثر خفاء على النفس وعلى الغير. فترى الرجل يتحدث بما حصّل، ويتلو آيات ويسمّع أحاديث، وينقل كلام سلف، ثم يخرج منه بطامات عامات، قد لا يخرج بها من عدم التحصيل.
والعلم وجودان، وجود التحصيل، ووجود الفهم والتأويل والتحليل. والثاني أصعبهما، وفيه تفترق قدرات العلماء والمفتين، لا في الأول. إذ إن الفهم يستدعى فهم الدلالات اللغوية للنصوص، كلمات وتعبيرات، والدلالات الاستعمالية والعرفية، ودلالات المواقف التي ترتبط بمقاصد القائل، ومآلات أقواله وأفعاله، والقواعد العامة التي تحكم المسألة، وصحة تنزيل الأمر المستجد تحت عمومها، والتفرقة بين أشباهها ونظائرها في المسائل، وحسن تقدير المصالح والمفاسد فيما ليس فيه نص مما يراعي قصد الشارع، والوعي بترتيب تلك المقاصد ابتداءً، وكثير غير ذلك، مما يدخل تحت عموم "منهج أهل السنة في النظر والاستدلال".
لذلك فإنّ ما نرى من خلط وخبط وهراء وغثّ، وما ينشأ عن ذلك من حرورية وإرجائية هو من جراء وجود العدمين، وعدم الوجودين، والله المستعان على الأمرين!
د طارق عبد الحليم 21 مايو 2014 - 22 رجب 1435
(257) فائدة: صعاليك علم .. انقطع بهم الطريق
وصلني أنّ صعلوكين من صعاليك العلم، المُتسوّرين على جدرانه، (لن أشرفهما بذكر اسميهما فيما أكتب) ممن تتبعت حديثهم الغثّ فيما كتبوا عني، خاصة ما أسماه أحدهم "سرقات"، ورددت عليه رداً رادعاً قاضياً، وصلني أنهما قد تحدّثا عن السقوط الأدبي الذي أتحدث به وعن سوء الخلق الذي تناولت سيرتهم به ... وهلم جرّا، وما إلى ذلك مما ذكّرني بأحوال النساء، تشتكي أحدها زوجها لمن حولها من الجيران سوء معاملته لها! ولم يرفع أحدهما رأساً بكلام يرد على ما قلت رداً علمياً، فكلاهما والله أقل قيمة وأسفه قدراً من أن يتطاول على مثلي، إلا بسبّ وقذف. وقد نسي الصعلوكان أنهما من بدء بقلة الأدب على جهلٍ مكعب، فماذ تنتظر رداً على من يكتب عنك أنك "سارق"، من حيث لم تذكره بشرّ وإن استحقه؟ ولست ممن "يحسّس" على خصومٍ وُضعاء. لو تحدث أحدهما بنقد علميّ أو توجيه شرعيّ، لرددنا عليه بما يليق. لكن أن ينسبنا للسرقة، وهو أجهل من دابة أبيه، فهذا والله لا يستحق حتى وصف الصعلوك، بل من صعاليك الماضي من هم أشرف من هذين بلا شك عندي! بل هو زمن جُهِّلَ فيه العالم، واستعلم الجاهل، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وقد وصف من هو أفضل منى، محمود شاكر عملاق الأدب والتفسير، من خاصمه من صعاليك العلم، أمثال هؤلاء الدجاجلة، "بالدجال" الذي هو بالفرنسية "الشرلتان" في كتابه الشهير "أحاديث وأسمار"، وقدح فيه قدحا لا مزيد عليه، فلم ينكر عليه أحد ممن يستحق الاستماع اليه.