تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحرم الأخذ بغير ذلك على اعتبار أنه يكون خرقا للإجماع، وفى ذلك مناقشة.

ومنهم من جوزه مطلقا وعليه بعض الشيعة وبعض الحنفية وبعض أهل الظاهر وبعض الزيدية وهو الصحيح عند الإباضية ونسبه جماعة منهم القاضى عياض إلى داود، وأنكر ابن حزم على من نسبه إلى داود (276) ، وحجتهم فى ذلك أن الذين تكلموا فى المسألة من قبل إنما هم مجتهدون يبحثون بحث المجتهدين ولم يصرحوا بتحريم القول الثالث، فليس أحداثه خرقا لإجماع سابق (277) .

وفى هذا مناقشة أيضا، ومنهم من فصل فقال: إن كان القول الثالث المحدث لم يرفع شيئا مما استقر عليه القولان الأولان جاز إحداثه لأنه لا محظور فيه، أى لأنه لم يخرق الإجماع المعنوى على القولين السابقين، وإن رفعه فلا يجوز لامتناع مخالفة الإجماع.

مثال الأول: اختلافهم فى جواز أكل المذبوح بلا تسمية، فقال بعضهم: يحل مطلقا سواء كان الترك عمدا أو سهوا.

وقال بعضهم: لا يحل مطلقا، فالتفصيل بين العمد والسهو ليس رافعا لشىء أجمع عليه القائلان الأولان بل هو موافق فى كل قسم منه لقائل.

ومثال الثانى: الجد مع الإخوة، فقد قال بعضهم: المال كله للجد فى التركة، وقال بعضهم: الجد يقاسم الإخوة فقد اتفق القولان على أن للجد شيئا من المال فالقول بحرمانه وإعطاء المال كله للإخوة قول ثالث رافع لما أجمع عليه الأولان فلا يجوز.

وبهذا التفصيل قال الإمام الرازى وأتباعه، واختاره الآمدى وابن الحاجب وروى عن الشافعى واختاره المتأخرون من أصحابه وهو المختار عند الزيدية وعليه المنصور بالله القاسم بن محمد والحسين ابنه صاحب هداية الطالبين فى أصول الزيدية وعليه أيضا الإمام مالك (278) .

إذا لم يفصلوا بين مسألتين

فهل لمن بعدهم التفصيل

إذا أجمع المجتهدون فى عصر ما بين مسألتين فى حكم واحد إما بالتحليل أو بالتحريم أو حكم بعض المجتهدين فيهما بالتحليل والبعض الآخر بالتحريم فهل يجوز لمن يأتى بعدهم أن يفرقوا بين هاتين المسألتين فى الحكم أو يعد ذلك خرقا لإجماع سبق؟

وهذه المسألة قريبة فى المعنى من التى قبلها فإن التفصيل بينهما بعد جمع السابقين لهما فى الحكم إحداث لقول ثالث فيهما ولأجل ذلك لم يفردها الآمدى ولا ابن الحاجب بل جعلاهما مسألة واحدة وحكما عليها بالحكم السابق، ولكن هناك فرقا بينهما وهو أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا كان محل الحكم متعددا، وأما السابقة ففيما إذا كان متحدا (279) .

وحاصل القول فيها: أن السابقين إن صرحوا بعدم الفرق بين المسألتين فلا يجوز الفصل بينهما فى الحكم، وصرحوا بأن هذا القسم لا نزاع فيه، وإن ظن بعضهم أن فيه خلافا، أما اذا لم ينص السابقون على عدم الفرق بينهما فى الحكم فهناك ثلاثة مذاهب كالمسألة السابقة (280) :

1- قول بالجواز مطلقا.

2- وقول بالمنع مطلقا.

3- وقول بالتفصيل خلاصته:

أنه إن اتحد الجامع بين المسألتين فلا يجوز كتوريث العمة والخالة، فإن علة توريثهما عند من ورثهما أو عدم توريثهما عند من لم يورثهما هو كونهما من ذوى الأرحام، وكل من ورث واحدة أو منعها، قال فى الأخرى كذلك، فصار ذلك بمثابة قولهم: لا تفصلوا بينهما، وإن لم يتحد الجامع بينهما فيجوز، كما إذا قال بعضهم: لا زكاة فى مال الصبى ولا فى الحلى المباح.

وقال بعضهم بالوجوب فيهما فيجوز الفصل، وسبب هذا التفصيل أن اتحاد الجامع فى المسألتين شبيه بما لو صرحوا بعدم الفرق فيكون التفصيل معه فرقا للإجماع.

أما إذا لم يتحد الجامع فلا يظهر أن جمع الأولين بين المسألتين يدل على عدم الفرق ويكون بمثابة نص عليه ومن ثم جازت التفرقة لأنه لا خرق فيها لإجماع، وبهذا يتبين أن أصل القاعدة وهى أن أحداث قول ثالث فى المسألة الأولى أو تفصيل بين مسألتين فى الثانية أن استلزما خرقا للإجماع منعا، وإن لم يستلزما ذلك جازا، وأن الخلاف إنما هو فى تطبيق هذه القاعدة على جزئيات

موسوعة الفقه المصرية · الصفحة ٤٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الفقه المصريةص ٤٦٨