إجماع (ب)
خامسا: لا يتحقق الإجماع بعترة
الرسول صلى الله عليه وسلم
وحدهم عند الجمهور
كافة الزيدية يقولون: إن الإجماع عام وخاص، كما قدمنا، فالعام هو إجماع جميع المجتهدين والخاص هو إجماع مجتهدى عترة الرسول عليه الصلاة والسلام.
ولو انفرد العترة وحدهم فأجمعوا على أمر فى عصر من العصور دون غيرهم انعقد الإجماع بذلك ولم يتوفف على موافقة الغير.
وقد بينا فى تعريف الإجماع مرادهم بالعترة، وقد وافقهم على مذهبهم بعض العلماء، منهم أبو هاشم وأبو عبد الله البصرى، والقاضى عبد الجبار، فى رواية عنه، واحتجوا على مذهبهم بالكتاب والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (169) .
وجه الدلالة أنه تعالى أخبر مؤكدا بالحصر بإرادته إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم تطهيرا تاما، وما يريده الله تعالى من أفعاله واقع قطعا، فثبت ذهاب الرجس عنهم، وطهارتهم عنه الطهارة التامة، والرجس المطهرون عنه ليس إلا ما يستخبث من الأقوال والأفعال، ويستحق عليه الذم والعقاب، لأن معناه الحقيقى لا يخلو عنه أحد منهم.
وليس المراد إذهابه عن كل فرد، لأن المعلوم خلافه، فتعين أن المقصود إذهابه عن جماعتهم فجماعتهم إذن معصومة وهو المطلوب، وكذلك استدلوا بقوله تعالى:" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى ".
دلت الآية على أن مودتهم طاعة، بل واجبة، فيكونون على الحق، وإلا حرمت مودتهم، بقوله تعالى: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " وغيرها.
وكونهم على الحق يقتضى وجوب متابعتهم، لعدم الواسطة بين الحق والضلال بدليل قوله
تعالى " فماذا بعد الحق إلا الضلال " والمراد بالقربى أهل البيت 0
وأما السنة فأحاديث كثيرة رووها وتمسكوا بها، منها قوله صلى الله عليه وسلم: " إنى تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدى أبدا: كتاب الله، وعترتى، أهل بيتى، ألا وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ".
وحديث الثقلين هذا شهور عندهم ومروى من جهات كثيرة.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: " مثل أهل بيتى فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك ".
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: " أهل بيتى أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ".
وقد عنى الزيدية بإيراد هذه الأحاديث والاستدلال بها على ما ذهبوا إليه، وترى ذلك فى كتبهم ومنها كتاب "هداية العقول " الذى أفاض فى إيراد الأدلة على ذلك، وفى مناقشة معارضيها أو
ناقضيها (170) .
ويرد عليهم علماء الجمهور:
أولا: بأن المراد من قوله تعالى " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، فالآية نازلة فيهن بين آيات سابقة لها، وآية لاحقة بها، فالآيات السابقة تبدأ من قوله تعالى: "يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا " (171) إلى قوله تعالى " وقلن قولا معروفا " (172) .
ثم تأتى آية الاستدلال، وهى قوله تعالى " وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (173) .
والآية اللاحقة بذلك هى قوله تعالى:
" واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة، إن الله كان لطيفا خبيرا " (174) .
فالكلام فى هذه الآيات إنما هو مع أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، ولكن الله تعالى عبر فى إذهاب الرجس بقوله:
" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " فأتى بضمير الخطاب للذكور فى لفظ " عنكم " وأتى بلفظ " أهل البيت " فيفهم من ذلك أنه أراد أن يعمم هذا الحكم وهو حكم إرادة التطهير فى أهل البيت رجالا ونساء على سنة تغليب المذكر إذا اجتمع رجال ونساء، فغاية ما يدل عليه ذلك هو اشتراك قرابة النبى وأزواجه فى هذا التطهير المراد، فإذا كان هذا يدل على عصمتهم وحجية إجماعهم فقولوا بذلك أيضا فى الأزواج كما قلتم به فى القرابة والعترة وأنتم لم تقولوا به، فبطلت حجتكم.