تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثانيا: معنى الرجس الذنب، فغاية ما يلزم العصمة عن الذنوب لا العصمة عن الخطأ فى الاجتهاد كيف والمجتهد المخطىء يؤجر ويثاب، فكيف يكون ما يؤجر عليه الإنسان ويثاب من باب الرجس.

ويحتمل أن يكون المراد من الرجس الشرك أو الإثم، أو الأهواء، أو البدع، أو يكون إذهاب الرجس بما ساق إليهم من تشريع، فلا يلزم منه العصمة من الخطأ فى الاجتهاد أيضا.

وقد كثر الجدال فى المعنى المراد من هذه الآية، وحاول كل فريق أن يقوى دلالتها على ما ذهب إليه أو على نفى ما ذهب إليه الآخرون، ولا يتسع المجال لذكر هذا كله، فمن شاء فليرجع فيه إلى كتب الفريقين، مثل " هداية العقول " فى أصول الزيدية، وشرح مسلم الثبوت، فكل منهما يمثل وجهة نظره فى استقصاء، ويرد على ما يناقشه به الآخرون (175) .

وكذلك الكلام فى باقى الأدلة التى استدلوا بها من الكتاب.

أما استدلالهم بالأحاديث فقد رد عليهم فيه بأن هذه الأحاديث آحاد، وخبر الواحد ليس بحجة فى مثل هذا ولكنهم لا يقبلون هذا الرد، فإن الأحاديث التى أتوا بها متواترة، إما لفظا بذكر الاعتصام بآل البيت نصا، أو على سبيل التواتر المعنوى، كما قال الجمهور فى أحاديث عصمة الأمة عن الخطأ والضلال.

وقد عارضهم الجمهور بمثل " أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم واهتديتم " وبما تواتر عن الصحابة والتابعين من أنهم كانوا يجتهدون ويفتون بخلاف ما أفتى به أهل البيت ولا ينكر أحد عليهم، ولا يعيبهم أهل البيت أنفسهم، وهذا يفيد أن أهل البيت لا يقولون بوجوب اتباع ما أجمعوا عليه.

ألم تر كيف رد ابن مسعود قول أمير المؤمنين على فى عدة الحامل المتوفى عنه زوجها، وكيف رد شريح قوله بقبول شهادة الابن، مع أن كلا من الزيدية والإمامية يقولون بحجية قوله، ويستدلون لذلك بأدلة عندهم، فقول الإمام إذن يدل على إجماع أهل البيت عند الإمامية والزيدية، فكيف ساغ للصحابة والتابعين أن يخالفوه.

بمثل هذا يستدل الجمهور على بطلان القول بأن إجماع عترة الرسول صلى الله عليه وسلم يكفى حين ينفردون به عن غيرهم من مجتهدى الأمة، والنقاش طويل والمراجع هى المراجع التى ذكرناها للفريقين.

سادسا: إجماع أهل المدينة

إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور لأنهم بعض الأمة، والأدلة الدالة على كون الإجماع حجة متناولة لأهل المدينة وغيرهم.

وقال مالك رحمه الله تعالى: أنه حجة فلا يعتد بمخالفة غيرهم، ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم علي رواية غيرهم.

ومنهم من قال: أراد به أن إجماعهم أولى ولا تمتنع مخالفته (176) .

وقال الباجى: إنما أراد حجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة فى الخضروات مما تقضى العادة بأن تكون فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم، فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء0

وقال القاضى عبد الوهاب: إجماع أهل المدينة على ضربين: نقلى، واستدلالى.

فالأول كنقلهم الصاع والمد والأذان والإقامة والأوقات والأجناس وكتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة، وكان النبى صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده لا يأخذون منها، وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم عندنا المصير إليه وترك الأخبار والمقاييس به، لا اختلاف بين أصحابنا فيه 0

والثانى، وهو إجماعهم من طريق الاستدلال، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:

أحدهما: أنه ليس بإجماع ولا مرجح.

والثانى: أنه مرجح 0

والثالث: أنه حجة ولكن لا يحرم خلافه وإذا عارض هذا النوع الاستدلالى خبر فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا، وقد صار جماعة إلى أنه أولى من الخبر بناء منهم على أنه إجماع وليس بصحيح لأن المشهود له بالعصمة إجماع كل الأمة لا بعضها (177) .

موسوعة الفقه المصرية · الصفحة ٤٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الفقه المصريةص ٤٥٨