حكم الأجل
الأجل يكون جائزا فى بعض العقود كالتأجيل بالنسبة لثمن المبيع ويكون واجبا فى بعضها كخيار الشرط كما هو مقتضى ماهيته وكالسلم خلافا لبعض الفقهاء كالشافعية. ويكون ممنوعا فى بعضها كالصرف وبيع الربويات على تفصيل فى المذاهب.
مذهب الحنفية:
مما يجوز التأجيل فيه عندهم البيع.
وجاء فى الهداية وشروحها (52) : يجوز البيع بثمن حال ومؤجل إذا كان الأجل معلوما للإطلاق فى قول الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا ((53) ، ولما رواه البخارى عن السيدة عائشة- رضى الله عنها- قالت: "إن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما نسيئة من يهودى إلى أجل ورهنه درعا له من حديد". ومما يجوز التأجيل فيه رأس مال السلم عند الإقالة وكذا القرض، يقول ابن عابدين (54) : إن القرض يصح تأجيله مع كونه غير لازم، لكن قال فى الهداية: إن تأجيله لا يصح لأنه إعارة وصلة فى الابتداء حتى يصح بلفظ الإعارة ولا يملكه من لا يملك التبرع وهو معاوضة فى الانتهاء فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما فى الإعارة إذ لا جبر فى التبرع وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح لأنه يصير بيع الدراهم بالدراهم نسيئة وهو ربا. قال ابن عابدين: إن مقتضى هذه العبارة أن قوله: " لا يصح على حقيقته لأنه إذا وجد فيه ما يقتضى عدم اللزوم وما يقتضى عدم الصحة ولا منافاة وجب اعتبار عدم الصحة، ولهذا علل فى الفتح لعدم الصحة أيضا بقوله: ولأنه لو لزم كان التبرع ملزما للمتبرع. ثم نقل ابن عابدين عن القنية أن التأجيل فى الفرض باطل.
وقالوا: إن التأجيل فى بدل الكتابة جائز كالتنجيم. جاء فى الدر المختار (55) تعليقا على ما أورده التمرتاشى فى تنوير الأبصار عن شرط الكتابة. قال: لا يشترط كون البدل منجما أو مؤجلا لصحتها بالحال ونقل عن باب السلم فى الجوهرة أنه يجوز تأجيل رأس مال السلم بعد الإقالة لأنه دين لا يجب قبضه فى المجلس كسائر الديون ومما يجب التأجيل فيه السلم جاء فى الهداية وشروحها (56) : لا يجوز السلم إلا مؤجلا لقوله عليه الصلاة والسلام: " من أسلم منكم فليسلم " إلى أجل معلوم ولأنه شرع رخصة دفعا لحاجة المفاليس فلابد من الأجل ليقدر على التحصيل فيسلم ولو كان قادرا على التسليم لم يوجد المرخص ويحرم الأجل عند الأحناف فى مثل الربويات ومنها عقد الصرف.
جاء فى الهداية وشروحها (57) : ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق لقوله صلى الله عليه وسلم: " الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد"، ولقول عمر فى الصرف: " وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تنظره ولأنه لابد من قبض أحدهما ليخرج العقد عن الكالىء بالكالىء، ثم لابد من قبض الآخر تحقيقا للمساواة فلا يتحقق الربا ولأن أحدهما ليس بأولى من الآخر فوجب قبضهما سواء كافا متعينين كالمصوغ أم لا يتعينان كالمضروب.
مذهب المالكية:
المالكية يجيزون البيع فى غير الربويات بثمن مؤجل. جاء فى فروعهم (58) : " سئل عبد الرحمن بن القاسم عمن باع ثوبا بمائة درهم إلى أجل شهر ثم اشترى بمائة درهم إلى الأجل. أيصح ذلك فى قول مالك. قال: نعم لا بأس فى ذلك وقد لخص الدسوقى فى باب القرض (59) أن المقترض إذا قبض القرض فإن كان له أجل مضروب أو معتاد لزمه رده إذا اقتضى ذلك الأجل وإن لم ينتفع به عادة أمثاله، فإن لم يكن ضرب له أجل ولم يعتد فيه أجل فلا يلزم المقترض رده لمقرضه إلا إذا انتفع به عادة أمثاله، ثم قال خلافا لمن قال أن الفرض إذا لم يؤجل بشرط أو عادة كان على الحلول، فإذا طلبه المقرض قبل انتفاع المقترض به رده إليه، والسلم عندهم يجب تأجيله كالأحناف. جاء فى متن خليل وشرح الدردير (60) : من شروط السلم أن يؤجل السلم بأجل معلوم. وعلله الدسوقى بأن التأجيل ليسلم من بيع ما ليس عند الإنسان المنهى عنه بخلاف ما إذا ضرب الأجل فإن الغالب تحصيل المسلم فيه فى ذلك الأجل فلم يكن من بيع ما ليس عنده إذ كأنه إنما يبيع ما هو عنده عند الأجل ويختلفون فى وجوب تنجيم بدل الكتابة. يقول خليل: والظاهر اشتراط التنجيم. ويقول الدردير: إنهم اختلفوا فى لزوم تنجيم بدل الكتابة - أى وجوبه كما قال الدسوقى- فقيل: يلزم تنجيمه. وفسر الدسوقى التنجيم بالتأجيل لأجل معين، ثم قال الدردير: فإذا وقعت الكتابة بغير تنجيم فهى صحيحة وتنجم لزوما على الراجح- أى وجوبا- لأن العرف فيها التأجيل كما يقول الدسوقى.