مذهب الحنابلة والشافعية:
أثر عن الحنابلة روايتان فى ذلك (25) ، واختلف قول الشافعى فى هذه المسألة، فقال فى القديم يجب عليها الإحداد لأنها معتدة بائن فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها. وقال فى الجديدة لا يجب عليها الإحداد لأنها معتدة من طلاق فلم يلزمها الإحداد كالرجعية، ثم وجه الشافعية هذا بما وجهه به المالكية (26) .
وقال فى الأم: وأحب إلى للمطلقة طلاقا لا يملك زوجها فيه عليها الرجعة تحد إحداد المتوفى عنها حتى تنقضى عدتها من الطلاق. وقد قاله بعض التابعين، ولا يبين لى أن أوجبه عليها لأنهم قد يختلفان فى حال وإن اجتمعا فى غيره (27) .
ما تجتنبه المحدة
مذهب الحنفية:
وافقوا الشافعية والحنابلة فى وجوب ترك الطيب والزينة والكحل والدهن المطيب، كما اتفقوا مع الشافعية فى منع الدهن غير المطيب كالزيت والشيرج إلا لضرورة، فيجوز وقد صح أن النبى - صلى الله عليه وسلم- لم يأذن للمعتدة فى الاكتحال والدهن لا يعرى عن كونه نوع طيب وفيه زينة للشعر. لكن لو كانت عادتها الإدهان فخافت بتركه وجعا، فإن كان ذلك أمراً ظاهراً يباح لها، لأن الغالب كالواقع، وكذا لبس الحرير إذا احتاجت إليه لعذر فلا بأس (28) .
مذهب المالكية:
يجب على المحدة عندهم أن تجتنب ما يتزين به من الحلى والطيب، ونصوا على وجوب تجنب عمله والتبخر به وعلى وجوب ترك الثوب المصبوغ مطلقا، لما فيه من التزين إلا الأسود ما لم يكن زينة قوم كأهل مصر والقاهرة وسائر من يتزين فى خروجهن بالأسود. وبذلك رجعوا هذه المسألة إلى العرف كالإمامية.
قال القاضى أبو محمد:
كل ما كان من الألوان يتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه المحدة (29) ويجب عند المالكية ترك الامتشاط بالحناء والكتم (30) بخلاف نحو الزيت من كل ما لا طيب فيه والسدر والإستحداد فلا يطلب ترك ذلك. قالوا: ولا تدخل حماما، أى عاما، ولا تطلى جسدها ولا تكتحل إلا من ضرورة ولو بطيب وتمسحه نهارا وجوبا.
وحكى ابن ناجى قال: اختلف فى دخولها الحمام فقيل: لا تدخل أصلا، ظاهره ولو من ضرورة، وقال أشهب لا تدخله إلا من ضرورة (31) .
تجتنب المحدة ما يدعو إلى الرغبة- فيها وذلك فى الأمور الأربعة التالية:
1- الطيب، ولا خلاف فى تحريمه عند من أوجب الإحداد، لقول النبى- صلى الله عليه وسلم-:
" لا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو أظفار " (32) .
2- الزينة، وهى ثلاثة أقسام:
أ) الزينة فى نفسها، فيحرم عليها أن تختضب، وأن تحمر وجهها، وأن تبيضه وأن تحسن وجهها عموما بنقش أو تحفيف، وما أشبهه، وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة. لما روت أم سلمة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " المتوفى عنها زوجها لا تلمس المعصفر من الثياب، ولا الممشق، (33) ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل"0 رواه النسائى وأبو داود.
وروت أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام إلا على زوج، فإنها تحد أربع أشهر وعشرا. ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب (وهو ما صبغ غزله قبل نسجه) ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو أظفار ... متفق عليه.
روت أم سلمة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين توفى أبو سلمة، وقد جعلت على عينى صبرا، فقال: " ما هذا يا أم سلمة؟ " قلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب. فقال: " إنه يشب (34) الوجه لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار "
ولأن الكحل من أبلغ الزينة فهو كالطيب وأبلغ منه. أما إن اضطرت إلى الكحل بالاثمد للتداوى فلها أن تكتحل ليلا وتمسحه نهاراً. وذلك لما روت أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفى وكانت تشتكى عينيها فتكتحل بالجلاء، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمه تسألها عن كحل الجلاء، فقالت: لا تكتحلى إلا لما لابد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار ... رواه أبو داود والنسائى.