ويقول الجوينى: " ولكن المجمل فى اصطلاح الأصوليين: هو المبهم، والمبهم هو الذى لا يعقل معناه، ولا يدرك منه مقصود اللافظ ومبتغاه " (28) .
وعلى هذا لا يكون المجمل قسما من أقسام المبهم كما يقول الأحناف، بل هو نفسه، ويكون كل مجمل عند الأحناف مجمل عند المتكلمين ولا عكس (انظر أيضا: مبهم) .
العلاقة بين المجمل والمتشابه
مسلك الأحناف:
يظهر مما تقدم أن كلا من المجمل والمتشابه قسم من أقسام المبهم أى الخفى بالمعنى الأعم، والفرق بينهما أن المجمل يدرك المراد منه بالنقل، وأما المتشابه فلا يدرك المراد منه أصلا. فالعلاقة بينهما إذن هى التباين (29) .
مسلك المتكلمين:
يرى أكثر المتكلمين أن المتشابه هو المجمل يقول الغزالى (30) : " والمتشابه ما تعارض فيه الاحتمال، وأما المتشابه فيجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة كالقرء، والذى فى قوله تعالى: " أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح "، فإنه مردد بين الزوج والولى، وكاللمس المردد بين المس والوطء، وقد يطلق على ما ورد فى صفات الله مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويله، فهذا تعريف للمتشابه بما يجعله والمجمل شيئا واحدا، وذلك فى الإطلاق المشهور.
ويقول إمام الحرمين فى البرهان: "المختار عندنا أن المحكم كل ما علم معناه وأدرك فحواه والمتشابه هو المجمل " (31) .
ويقول أبو إسحاق الشيرازى (32) : " وأما المتشابه فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو والمجمل واحد. ومنهم من قال: المتشابه ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه والصحيح الأول، لأن حقيقة المتشابه ما أشتبه معناه، وأما ما ذكروه فلا يوصفه بذلك ".
أما الآمدى فقد جعل المجمل قسما من أقسام المتشابه، حيث جعل المتشابه ما تعارض فيه الاحتمال وذلك على جهتين: إما بجهة التساوى كالألفاظ المجملة، كما فى قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " لاحتمال القرء زمن الحيض والطهر على السوية، وإما لا على جهة التساوى كالأسماء المجازية، وإما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر إلى تأويل، كقوله تعالى: " ويبقى وجه ربك "، " ونفخت فيه من روحى "، " مما عملت أيدينا " (33) .
وعلى هذا يكون المجمل منوط من أنواع المتشابه عند الآمدى، فكل مجمل متشابه ولا عكس.
أما الإسنوى فقد جعل المتشابه جنسا لنوعين هما المجمل والمؤول، قال (34) : " ثم أن المجمل والمؤول مشتركان فى أن كلا منهما يفيد معناه إفادة غير راجحة، إلا أن المؤول مرجوح أيضا، والمجمل ليس مرجوحا بل مساويا، فالقدر المشترك بينه من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه، فهو جنس لنوعين: المجمل والمؤول " 0
مسلك أهل الظاهر:
أما ابن حزم الظاهرى فبعد أن عرف المجمل بأنه: " لفظ يقتضى تفسيرا يؤخذ من لفظ آخر " ذكر أن المتشابه لا يوجد فى شىء من الشرائع، ثم قرر بعد أن حصر مواضع المتشابه فى القرآن، أننا نهينا عن اتباع تأويله وعن طلبه، وأمرنا بالإيمان به جملة، وعلي هذا تكون العلاقة بين المجمل والمتشابه عنده التباين، إذ المجمل يؤخذ تفسيره من لفظ آخر، بينما المتشابه لا يمكن تفسيره " (35) (انظر أيضا: متشابه) .
العلاقة بين المجمل والعام
يرى جمهور الأصوليين أن العام من قبيل الظاهر أو واضح الدلالة بينما يرى البعض أنه قسم من أقسام المجمل (36) .
ويقول صاحب التلويح: " حكم العام التوقف عند البعض حتى يقوم الدليل لأنه مجمل لاختلاف أعداد الجمع، وأنه يؤكد بكل وأجمع، ولو كان مستغرقا لما احتيج إلى ذلك، ولأنه يذكر الجمع ويراد به الواحد كقوله تعالى " الذين قال لهم الناس إن الناس "، وعند البعض يثبت الأدنى، وهو الثلاثة فى الجمع والواحد فى غيره، وعندنا وعند الشافعى رحمه الله يوجب الحكم فى الكل، لأن العموم معنى مقصود فلابد أن يكون لفظ يدل عليه " (37) .