تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأول: أن يكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يعقبه من البيان، فإنه لو بدأ فى تكليف الصلاة بها لجاز أن تنفر النفوس منها، ولا تنفر من إجمالها.

" والثانى: أن الله تعالى جعل من الأحكام جليا وجعل منها خفيا يتفاضل الناس فى العمل بها ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرا جليا وجعل منها مجملا خفيا " (20) .

ويقرر الغزالى ذلك أيضا فيقول:

" يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما لأن قو له تعالى " وآتوا حقه يوم حصاده " يعرف منه وجوب الإيتاء، ووقته، وأنه حق فى المال فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى. وكذلك مطلق الأمر إذا ورد ولم يتبين أنه للإيجاب أو الندب أو أنه على الفور أو التراخى أو أنه للتكرار أو للمرة الواحدة أفاد علم اعتقاد الأصل ومعرفة التردد بين الجهتين.

وكذلك " أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح " يعرف إن كان سقوط المهر بين الزوج والولى فلا يخلو عن أصل الفائدة وإنما يخلو عن كمالها، وذلك غير مستنكر، بل واقع فى الشريعة والعادة، بخلاف قول المخالف (21) .

بقاء المجمل فى القرآن

بعد وفاة الرسول - عليه الصلاة والسلام -

اختلف الأصوليون فى بقاء المجمل فى القرآن بعد وفاة الرسول.

يقول الشوكانى (22) : " وقيل: أنه لم يبق مجمل فى كتاب الله تعالى بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم، وقال إمام الحرمين المختار: أن ما ثبت التكليف به لا إجمال فيه، لأن التكليف بالمجمل تكليف بالمحال، وما لا يتعلق به تكليف فلا يبعد استمرار الإجمال فيه بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ".

ويقول الإسنوى (23) : "واختلفوا فى جواز بقاء الإجمال بعد وفاة الرسول - عليه الصلاة والسلام - قال فى البرهان بعد حكاية هذا الخلاف المختار أنه إن تعلق به حكم تكليفى فلا يجوز وذلك كالأسماء الشرعية مثل الصلاة فإنا نعلم قطعا أن معناها اللغوى وهو الدعاء غير مراد فلا بد من معنى آخر شرعى، وهو غير مدرك بالعقل إلا ببيان من الشارع وقد بينه قولا وفعلا، وكالربا فإنه لغة مطلق الزيادة، ولا شك أنه ليس كل زيادة محرمة، فهى زيادة مخصوصة فى الشرع وهى غير معلومة إلا بالبيان وقد بينها وأما ما لا يتعلق به التكليف كالمتشابه الذى لا يدرك لا بالعقل ولا بغيره فيجوز (24) .

ويقول ابن السبكى (25) : "وفى بقاء المجمل فى الكتاب والسنة غير مبين إلى وفاته - صلى الله عليه وسلم- أقوال:

أحدها: لا، لأن الله تعالى أكمل الدين قبل وفاته بقوله: " اليوم أكملت لكم دينكم ".

ثانيها: نعم، قال الله تعالى فى متشابه الكتاب: " وما يعلم تأويله إلا الله " إذ الوقف هنا كما عليه جمهور العلماء، وإذا ثبت فى الكتاب ثبت فى السنة لعدم القائل بالفرق بينهما.

ثالثها: الأصح: لا يبقى المجمل المطلق بمعرفته غير مبين للحاجة إلى بيانه حذرا من التكليف بما لا يطاق بخلاف غير المكلف به ".

علاقة المجمل بغيره من الألفاظ

العلاقة بين المجمل والمبهم

مسلك الأحناف:

يقسم الأحناف المبهم أو خفى الدلالة إلى أقسام أربعة: الخفى، والمشكل، والمجمل، والمتشابه 0

وعلى هذا يعد المجمل عندهم قسما من أقسام المبهم، فكل مجمل عندهم مبهم دون العكس.

يقول صاحب التلويح: " اللفظ إذا ظهر منه المراد، وإذا خفى فخفاؤه إما لنفس اللفظ أو لعارض الثانى يسمى خفيا، والأول إما أن يدرك المراد بالنقل أو لا، الأول يسمى مشكلا، والثانى إما أن يدرك المراد بالنقل أو لا يدرك أصلا، الأول يسمى مجملا، والثانى متشابها، فهذه الأقسام متباينة بلا خلاف " (26) .

مسلك المتكلمين:

يرى جمهور من كتب من الأصوليين على طريقة المتكلمين أن المجمل هو المبهم، يقول الغزالى فى المستصفى (27) : " اللفظ المفيد بالإضافة إلى مدلوله إما ألا يتطرق إليه احتمال فيسمى نصا، أو يتعارض فيه الاحتمالات من غير ترجيح فيسمى مجملا ومبهما".

موسوعة الفقه المصرية · الصفحة ٢٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الفقه المصريةص ٢٨١