وقد جرى فى كونه إرثا هنا على رأى أبى يوسف ومحمد، أما أبو حنيفة فإنه يرى: أنه يثبت هذا الحق للورثة ابتداء.
- فقد قال فى " الفتاوى الأنقروية"، نقلا عن الخلاصة: " القصاص حق الورثة ابتداء، وعندهما حق الميت ثم ينتقل إلى الورثة " (114) .
ويصح لابن العم، شقيقا أو لأب أو لأم، إن كان وارثا، أن يعفو عن القاتل من غير بدل أو يصالح على بدل فى نصيبه وحينئذ يسقط حق باقى الورثة فى استيفاء القصاص.
فقد جاء فى " الهداية": " وإذا عفا أحد الشركاء عن الدم، أو صالح من نصيبه على عوض سقط حق الباقين فى القصاص، وكان لهم نصيبهم من الدية ".
ثم قال: " ومن ضرورة سقوط حق البعض فى القصاص سقوط حق الباقين فيه، لأنه لا يتجزأ " (115) .
وحينئذ ينقلب حق الباقين مالا.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية إلى أن ابن العم الشقيق أو لأب، باعتباره أحد العصبة الذكور، يكون له حق استيفاء القصاص ابتداء.
فقد جاء فى " الشرح الكبير" "وحاشية الدسوقى " عليه: " والاستيفاء، أى استيفاء القصاص فى النفس من الجانى لعاصب المقتول لا لغيره من الذكور، ويكون عاصبا بنفسه فلا دخل فيه لزوج إلا أن يكون ابن عم لزوجته المقتولة، ولا لأخ لأم، أو جد لأم، وقدم ابن فابنه كالولاء. يقدم الأقرب فالأقرب من العصبة فى إرثه، إلا الجد والأخوة فسيان هنا فى القتل والعفو " (116) .
هذا ما يتعلق بحق ابن العم فى استيفاء القصاص ابتداء، أما استحقاقه إرثا فإنه يكون إذا كان وارثا لأحد المستحقين (117) للاستيفاء ابتداء.
أما ابن العم لأم فلا يرث القصاص، على ما يفهم من النصوص السابقة، إلا فى حالة إرث القصاص ولم يكن لمستحق الاستيفاء الذى مات وارث قبله كأن يكون أبا لزوجة ابن عمه لأمه المقتول، فترك ابنا ورث حق الاستيفاء، ثم مات الابن قبل الاستيفاء، فورثته أمه حيث لا وارث له غيرها. ثم ماتت أيضا قبل الاستيفاء، فورثه أبوها، الذى هو ابن العم لأم.
مذهب الشافعية:
قد ذهبوا إلى أن ابن العم شقيقا أو لأب يكون له الحق فى استيفاء القصاص فى النفس ابتداء إن كان وارثا، وفى رأى أن هذا الحق ثبت إرثا، لأنه كان حقا للمقتول.
فقد جاء فى " المنهاج " وشرحه " مغنى المحتاج": " الصحيح المنصوص ثبوت القصاص فى النفس ابتداء لا تلقيا من المقتول، لكل وارث خاص من ذوى الفروض والعصبة: أى يرثه جميع الورثة لا كل فرد فرد من أفراد الورثة، وإلا لجاز انفراد الواحد منهم بالقصاص.
ويقسم القصاص بين الورثة على حسب إرثهم، لأنه حق يورث، فكان كالمال.
والقول الثانى: يثبت للعصبة الذكور خاصة، لأن القصاص لرفع العار، فاختص بهم كولاية النكاح 0
والثالث: يستحقه الوارثون بالنسب دون السبب، لانقطاع السبب بالموت " (118) .
ومقتضى هذا النص ألا يستوفى قصاص النفس إلا باتفاقهم جميعا، وأما قصاص الأطراف إذا مات من يستحقه فقد بينه صاحب " مغنى المحتاج " فقال: " أما قصاص الطرف إذا مات مستحقه فإنه يثبت لجميع الورثة قطعا " (119) وإذا عفا ابن العم وكان معه ورثة آخرون صح العفو وسقط القصاص وإن لم يعف غيره.
فقد جاء فى" المنهاج " وشرحه " مغنى المحتاج":
" للولى عفو عن القود على الدية بغير رضا الجانى، ولو عفا بعض المستحقين سقط أيضا وإن لم يرض البعض الآخر، لأن القصاص لا يتجزأ ويغلب فيه جانب السقوط لحقن الدماء، ولأن الشارع رغب فيه. قال تعالى: " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " (120) .
أما ابن العم لأم عند عدم الوارث فرضا أو تعصيبا، فإنه لا يرث القصاص إلا على رأى المتأخرين الذين قالوا بتوريث ذوى الأرحام إذا فسد بيت المال.
وقد بين ذلك صاحب " مغنى المحتاج " فقال: " وقياس توريث ذوى الأرحام فى غير القصاص أن يقال به: أى بالتوريث فى القصاص أيضا " (121) .
مذهب الحنابلة: