وبناءً على هذا التقسيم عند الدكتور وقع في أخطاء كثيرة في الحكم على الأحاديث، فتراه يصحح بعض الأحاديث، ويحسّن بعضها، ويضعف بعضها، ويتوقف في بعضها، وليس كذلك فإن هذه الأحاديث التي خرّجها ابن المظفر -رحمه الله- عن شعبة لها أحوال:
- فبعضها معروف عن شعبة، ولكن من طريق غير الطريق الذي ذكره ابن المظفر.
- وبعضها فيه أوهام على شعبة كرفع موقوف أو وصل مرسل أو تسمية مبهم.
- وبعضها لم يحدِّث به شعبة قط.
وغير ذلك كما سأفصّله في مكانه إن شاء الله تعالى.
3 - عقد المحقق مبحثاً (ص142) سماه: "غرائب شعبة بين الصحيح والضعيف" ثم قال: "علمنا فيما سبق أن الغرائب منها الصحيح ومنها الضعيف. وأن الضعيف قد يكون دون شعبة. وقد يكون فوقه. ولذا وجدنا في هذه الغرائب أسانيد تدور على ضعيف. لأمر من الأمور التي بينتها في حينها وفي تعليقي على السند نفسه أو في تخريج المتن. وبناء على ذلك فقد وجدت مئة إسناد ضعيف تدور على عشرين ضعيف. لكن هذه المئة لها طرق أخرى صحيحة موجودة في الصحاح، كما أثبتنا في التعليقات.
إلا أنني وجدت أسانيد ضعيفة جداً هي في الحديث 30 و 76 و 132 و 149 و 163 و 166 و 167.
ومهما يكن من أمر فإنه يسلم لنا حديث كثير صحيح. يستفيد منه الباحثون من وجهين:
الأول: وروده من طريق جديد صحيح. فقد يكون دائراً على ضعيف في كثير من كتب السنة ويعتبره المشتغلون في الحديث غريباً منكراً. وبوروده عن شعبة عن الثقات تنتفي عنه النكارة. ويصبح صحيحاً.
الثاني: ظهور كثير من الأحاديث التي لم يذكرها أصحاب السنن ولا المسانيد. وهذا مكسبٌ كبير جداً. وإضافة جديدة إلى رصيد السنة. ولو لم نجد في مثل هذه المخطوطات النادرة إلا حديثاً واحداً لكفانا ... ". انتهى كلامه.
قلت: أسس الدكتور بنيانه على أصول باطلة، ومقدمات غير منطقية وغير علمية؛ فوقع في أخطاء شنيعة، وتناقضات عظيمة:
1 - نعم، الغرائب عند العلماء منها الصحيح ومنها الضعيف، ولكن هذا ليس شرط كتاب ابن المظفر، فشرطه إيراد الغرائب التي رويت عن شعبة وهي خطأ عليه، وليست الأحاديث الغريبة التي تفرد بها شعبة؛ فإن الأخيرة لا يشك أحد في قبولها من شعبة. وأما الأخطاء على شعبة فلا نقبلها.
2 - هذه الأحاديث التي تدور على ضعفاء لا نصححها لأن لها طرق أخرى صحيحة كما يزعم الدكتور؛ لأن هذه الطرق الصحيحة هي التي تبين لنا بطلان هذه الطرق الضعيفة المروية عن شعبة، وابن المظفر حافظ كبير يعرف أن هناك طرق صحيحة لهذه الأحاديث، وهدفه جمع الغرائب عن شعبة فقط.
3 - لا يسلم لنا شيء من هذه الأحاديث كما يزعم الدكتور لأنها كلها طرق باطلة، وهو إنما صححها بالمتابعات والشواهد، لأنه لا يعرف غرض المؤلف في كتابه هذا.
4 - الحديث إذا كان أهل الحديث يعتبرونه منكر وضعيف، ووروده في هذا الكتاب يزيده نكارة وضعفاً، ولا يخرجه إلى أن يصبح صحيحاً كما ذهب إليه الدكتور! ولا أدري كيف يقول هذا الكلام مختص في الحديث ومشتغل بالتصحيح والتضعيف!!
5 - يرى الدكتور أن هذه الأحاديث لم يذكرها أصحاب السنن والمسانيد وهي مكسب عظيم لأنها صحيحة! وهذا منه طامة كبرى؛ لأن أصحاب السنن والمسانيد يعلمون أنها لا تصح عن شعبة ولذلك لم يوردوها في كتبهم، وهذا من ذكائهم -رحمهم الله- وهذا يؤكد وهاء هذه الأحاديث وبطلانها، لا أنها صحيحة وأنها تضاف إلى رصيد السنة الصحيحة كما زعم الدكتور!!!
3 - لم يلتفت الدكتور قط إلى كلام أبي نُعيم في الحلية ومقصوده مع أنه أحياناً ينقل عنه!
4 - كلام المحقق على الأحاديث فيه خلطٌ عجيب، فتجده أحياناً يضعف الحديث براوٍ دون شعبة لتدليس أو غيره، مع أن الحديث لم يروه شعبة أصلاً!
5 - صحح المحقق كثير من الأحاديث بالمتابعات والشواهد دون النظر إلى حال الحديث الذي يتكلم عليه، فهمُّهُ هو التصحيح أو التضعيف فقط، ولا يهمه أي شيء آخر!!