والحكم عابد صدوق له أوهام ومناكير، وكان -رحمه الله- يصلي من الليل، فإذا غلبته عيناه نزل إلى البحر فقام في الماء يسبّح مع دواب البحر [64]. وقد سمع من عكرمة، لأن عكرمة قدم اليمن سنة مئة، وتوفي الحكم سنة أربع وخمسين ومئة، فقول ابن عباس أنه كان إذا سمع الرعد، قال: ((سبحان الذي سبحت له)) صحيح، ولهذا رواه البخاري في ((الأدب المفرد)). أما الشطر الآخر: ((إن الرعد ملك ... )) [65] فلعل هذا رأي عكرمة، وسأبين ذلك فيما بعد، فظن الحكم أنه قول ابن عباس! وتخريج البخاري لهذا الكلام لا يعني الاحتجاج به.
6 - قال الطبراني في ((كتاب الدعاء)): حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، قال: حدثنا عبدالله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: ((الرعد ملك)) [66].
قلت: هذا إسناد حسن لا بأس به من نسخة علي بن أبي طلحة التفسيرية عن ابن عباس، وهو وإن لم يسمع من ابن عباس إلا أنه أخذها عن تلاميذ ابن عباس، وقد حسّن هذه النسخة الإمام أحمد.
والخلاصة أن هذا التفسير صحيح عن ابن عباس من قوله، وهذا مما أخذه ابن عباس عن أهل الكتاب.
روى الطبري في ((تفسيره)) قال: حدثنا المثنى قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا موسى ابن سالم أبو جهضم مولى ابن عباس قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلَد يسأله عن الرعد؟ فقال: "الرعد ملك" [67].
قلت: وهذا إسناد صحيح، وأبو جهضم بصري ثقة.
وروى الطبراني أيضاً في ((كتاب الدعاء)) من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلَد يسأله عن الرعد؟ فكتب إليه: "الرعد ملك" [68].
قلت: وهذا إسناد يؤخذ به في مثل هذه الآثار، ولا يُلتفت إلى الكلام في عطاء بن السائب هنا. وأبو الجَلَد هذا اسمه: جيلان بن فروة، وهو بصري عابد ثقة، وهو صاحب كتب الأوائل: التوراة ونحوها.
وأخذُ ابن عباس عن بعض أهل الكتاب مما في كتبهم فيما يتعلق بخلق السموات والأرض ثابت كما في هذه الآثار وغيرها، وبه قال كثير من أهل العلم، وقد فصّلت ذلك في بحث خاص ولله الحمد.
تنبيه:
الأثر السابق رُوي عن أبي الجلد وفيه أن: "الرعد ريح"!
رواه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبدالله بن إدريس عن الحسن بن الفرات عن أبيه قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد؟ فقال: "الرعد ريح" [69].
ورواه الطبري أيضاً عن أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا بشير أبو إسماعيل، عن أبي كثير، قال: كنت عند أبي الجلد إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: "كتبت تسألني عن الرعد، فالرعد الريح" [70].
ورواه أبو الشيخ في ((كتاب العَظمة)) من طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين، قال: حدثنا بشير -يعني ابن سلمان- حدثنا أبو كثير قال: كنت عند أبي الجلد، مثله [71].
قلت: أما رواية الحسن بن الفرات القزاز عن أبيه، فالحسن صدوق يهم في حديثه، وأبوه الفرات ثقة خرّج له البخاري ومسلم، أما البخاري فتجنّب رواية ابنه الحسن عنه، وأما مسلم فأخرج له حديثاً واحداً من رواية ابنه في المتابعات، وأخرج له أحاديث أخرى من غير طريق ابنه.
قال أبو حاتم الرازي -عندما سئل عن الحسن بن الفرات-: "منكر الحديث" [72].
وقال ابن حجر: "الحسن بن الفرات ابن أبي عبدالرحمن التميمي القزاز الكوفي: صدوق يَهم" [73].
وأما بشير بن سَلْمان فهو الكندي أبو إسماعيل، وهو صدوق فيه لِين كما قال الذهبي [74].
وقال ابن حجر: "بشير بن سلمان الكندي أبو إسماعيل الكوفي والد الحكم: ثقة يُغرب" [75].
تنبيه آخر:
قال يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)): حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا بشير قال: كنت عند أبي الجلد جيلان بن فروة [76].
كذا في المطبوع! ولا أدري هل هو في أصل يعقوب هكذا! والراجح أنه هكذا فيه؛ لأن يعقوب بن سفيان أورد هذا النص بعد أن ذكر بشير بن سلمان، وهو إنما ذكر هذا ليبين أن بشيراً هذا كان عند أبي الجلد، وهذا وهم، وكأنه سقط من إسناده: "أبو كثير"، والله أعلم.