بحثٌ في الحديث المرفوع: ((الرعد مَلك))
ذكر معظم أهل التفسير الحديث المرفوع: ((الرعدُ مَلَكٌ)) عند تفسيرهم لقول الله تعالى} ويُسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته {[سورة الرعد:13]. وقد جاء الحديث مرفوعاً إلى النبيّ e، وجاء موقوفاً على بعض الصحابة، وجاء تفسيراً من كلام أئمة التفسير من التابعين. وسأذكر هذه الاختلافات في هذا الحديث كلّ على حدة.
· المطلب الأول: الروايات المرفوعة لهذا الحديث:
قال الترمذي -رحمه الله- حدّثنا عبدالله بن عبدالرحمن، قال: أخبرنا أبو نُعيم، عن عبدالله بن الوليد ـ وكان يكون في بني عجل ـ، عن بُكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "أقبلت يهود إلى النبيّ e فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرعد، ما هو؟ قال: ((ملَكٌ من الملائكة وُكلَ بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله.)) فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: ((زَجْرُهُ السحابَ إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر.)) قالوا: "صدقت" فأخبرنا عمّا حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: ((اشتكى عرق النسا فلم يجد شيئاً يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرّمها.)) قالوا: "صدقت."
قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ" [1].
قلت: وهذا الحديث أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) بسياق أطول من هذا، عن أحمد بن يحيى الصوفي، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: أخبرنا عبد الله بن الوليد ـ وكان يجالس الحسن بن حي ـ عن بكير بن شهاب به. وفيه: ((أقبلت يهود إلى النبيّ e فقالوا: يا أبا القاسم! نسألك عن أشياء فإن أجبتنا فيها اتبعناك وصدقناك وآمنا بك، قال فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا الله على ما نقول وكيل. قالوا: أخبرنا عن علامة النبي e؟ قال: ((تنام عيناه ولا ينام قلبه))، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟ قال: ((يلتقي الماءان فإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت))، قالوا: صدقت .... قالوا: أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك من الملائكة من ربه بالرسالة وبالوحي فمن صاحبك؟ فإنما بقيت هذه حتى نتابعك؟ قال: ((هو جبريل))، قالوا: ذلك الذي ينزل بالحرب وبالقتل ذاك عدونا من الملائكة، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك، فأنزل الله تعالى} من كان عدواً لجبريل ﴿إلى آخر الآية﴾ فإن الله عدو للكافرين {[2].
وأخرجه الطبراني عن علي بن عبدالعزيز عن أبي نعيم به، بتمامه [3]. وأخرجه الضياء المقدسي من طريق الطبراني [4].
وأخرجه أحمد في ((المسند)) عن أبي أحمد الزبيري، قال: حدثنا عبدالله بن الوليد العجلي ـ وكانت له هيئة، رأيناه عند حسن ـ عن بكير بن شهاب به، بنحوه [5].
وأخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) من طريق أحمد [6].
ورواه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبي أحمد الزبيري، عن عبدالله بن الوليد ـ يعني من ولد معقل بن مقرن ـ عن بكير بن شهاب به مقتصراً على ذكر الرعد فقط [7].
وأخرجه أحمد أيضاً عن هاشم بن القاسم، عن عبدالحميد، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: ((حضرت عصابة من اليهود نبي الله e يوماً فقالوا: يا أبا القاسم: حدثنا عن خلال نسألك عنهن ... )) وساق الحديث بطوله، إلا أنه لم يذكر سؤالهم عن الرعد [8].
وقد رُويت أجزاء من هذا الحديث بأسانيد مختلفة مرفوعة وموقوفة [9]، ولم يرد ذكر الرعد إلا في هذا الحديث الطويل!
قال الهيثمي: "رواه الترمذي باختصار، ورواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات [10].
ونقل الشيخ شعيب الأرنؤوط قول الترمذي: "حديث حسن." ثم قال: "وهو كما قال [11].
قلت: قول الترمذي هو: "حديث حسن غريب." فلم يذكر الشيخ شعيب لفظ "غريب"!