تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والراجح في هذا كلّه ما رواه الشعبي وأبو جهضم أن أبا الجلد كتب إلى ابن عباس أن: "الرعد ملك". وما جاء أنه كتب إليه أن: "الرعد ريح"، فوهم! وكيف يكون الرعد هو الريح؟! والريح معروفة في كلام العرب وهي غير الرعد قطعاً.

· المطلب الثالث: الروايات الموقوفة على التابعين لهذا الحديث:

أولاً: كعب الأحبار:

قال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبو سلمة، قال: حدّثنا حماد ـ يعني ابن سلمة ـ عن عبد الجليل، عن شهر بن حوشب، قال: قال عبدالله بن عمرو لرجل: سلْ كعباً عن البرق؟ فقال كعب: "البرق تصفيق ملك البرد." وحكى حماد بيده ـ "لو ظهر لأهل الأرض لصعقوا" [77].

ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب ((العظمة)) من طريق إبراهيم بن راشد، عن أبي ربيعة، عن حماد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر بن حوشب، قال: قال كعب: "الرعد ملك يزجر السحاب زجر الراعي الحثيث الإبل فيضم ما شد منه، والبرق تصفيق الملك للبرق ـ وأشار حماد بيده ـ لو ظهر لأهل الأرض لصعقوا" [78].

قلت: فهذا الأثر محفوظ عن كعب، ففي الرواية الأولى اقتصر بعض الرواة على ذكر البرق، وفي الرواية الثانية ذكر الرعد ونسبه لكعب، والقصة في الرواية الأولى -ومخرجها والرواية الثانية واحد- مما جعلنا نرجِّح أن هذا هو المحفوظ عن شهر؛ لأن موسى البزار رواه عنه - أي: شهر بن حوشب- عن ابن عباس، قوله، -كما تقدم-، وسيأتي أنه حدّث به من قوله، وهذا لا ينافي هذه الرواية، فهو قد حدّث به عن كعب، ثم في مرة ثانية قاله من نفسه، وهذا يفعله أهل العلم، ولا شيء فيه.

وروى الطبراني في ((كتاب الدعاء)) قال: حدثنا علي بن عبدالعزيز، قال: حدثنا عارم أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عبدالجليل بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سئل عن الرعد؟ فقال: "ملك".

قلت: وهذه الرواية أيضاً من طريق عبدالجليل بن عطية عن شهر، وزاد فيها: "عن أبي هريرة"، وهذا ليس بمحفوظ، ولهذا لم أذكر الرواية عن أبي هريرة كما ذكرتها عن الصحابة الآخرين.

وأكبر ظني أن الوهم في ذلك من عبدالجليل بن عطية، وليس من شهر، وعبدالجليل صدوق، ولكنه كان يهم في الشيء بعد الشيء، وهذا من أوهامه -رحمه الله-. وقد سبقت الرواية عن شهر عن ابن عباس، فلعل عبدالجليل توهم في ذلك، فذكر أبا هريرة بدل ابن عباس، والله أعلم.

فالراجح أن هذا القول: "الرعد ملك" من الإسرائيليات التي كان يُحدِّث بها كعب الأحبار. وقد تقدّم أن ابن عباس أيضاً أخذ هذا التفسير من أبي الجلد صاحب كتب التوراة ونحوها.

ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس:

1 - قال الطبري: حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدّثنا عتّاب بن زياد، عن عكرمة، قال: "الرعد ملك في السحاب، يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل" [79].

قلت: الإسناد لا بأس به، وعتّاب هذا وثقه ابن معين، قال: "عتاب بن زياد بن ورقاء يروي عنه الزبيري، وهو كوفي ثقة، وعتاب بن زياد بن ورقاء يروي عن الشعبي". وقال البخاري: "عتاب بن زياد ابن ورقاء: سمع الشعبي وعكرمة، روى عنه أبو أحمد الزبيري"، وتبعه أبو حاتم، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: عتاب بن زياد بن ورقاء: سمع الشعبي وعكرمة وسعيد بن جبير. روى عنه حفص بن غياث، وأبو أحمد الزبيري". وذكره ابن حبان في الثقات [80].

2 - قال الطبري: حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: "إنّ الرعد ملك يؤمر بإزجاء السحاب فيؤلِّف بينه، فذلك الصوت تسبيحه" [81].

قلت: الحسين بن داود هو المعروف بـ ((سُنيد بن داود)) المصيصيّ المحتسب (ت 226 هـ)، حافظ، له تفسير، وله ما يُنكر، وقد روى حديث هاروت وماروت والزهرة بطوله. صدقه أبو حاتم. وقال أبو داود: "لم يكن بذاك." وقال النسائي: "الحسين بن داود ليس بثقة [82].

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٣٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٣٧٠