قلت: نعم الأئمة على ترجيح رواية عبدالحميد بن بهرام عن شهر على رواية غيره عن ابن بهرام، ومقتضى هذا أن رواية عبدالحميد عن شهر عن ابن عباس هي الصحيحة، ورواية عبدالله بن عبدالرحمن المكي عن شهر المرسلة لا تقاومها! ولكن المشكلة هنا في شهر نفسه لا في الرواة عنه، فهو الذي وصل الرواية مرة وأرسلها أخرى، وكان -رحمه الله- يضطرب في حديثه وكان يرسل كثيراً.
وهذه القصة فيها ما يُنكر، وليس فيها ذكر الرعد، وذكره محفوظ من طرق أخرى عن شهر، وسيأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله. والذي أميل إليه أن رواية بكير ملفقة من عدة روايات بعضها صحيح وبعضها منكر رُويت مرسلة. ولهذا جاء في رواية بكير السؤال عن خمسة أشياء، وفي رواية شهر عن أربعة، فإذا أضيف إليها السؤال عن الرعد أصبحت خمسة كما في رواية بكير!
والصواب في هذه القصة ما رواه الإمام البخاري في ((صحيحه)) من طريق إبراهيم بن محمد الفَزاري وبِشر بن المُفضَّل وعبدالله بن بكر بن حبيب السهمي، ثلاثتهم عن حُميد الطويل، قال: حدثنا أنس: أن عبدالله بن سلام بلغه مَقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء. فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفاً. قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة! قال: ((أما أول أشراط الساعة: فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة: فزيادة كبد الحوت. وأما الولد: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد)). قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. فجاءت اليهود: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أي رجل عبدالله بن سلام فيكم؟)). قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أرأيتم إن أسلم عبدالله بن سلام؟)). قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك. فخرج إليهم عبدالله فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". قالوا: شرنا وابن شرنا وتنقصوه. قال: "هذا كنت أخاف يا رسول الله" [24].
ونرجع إلى ترجمة بكير:
وقول الذهبي في بكير هذا: "عراقي صدوق" [25]. حكم عام، لا ينافي حكمنا على حديثه هذا بالنكارة، والذهبي قال ذلك في مقابلة كلامه عن بكير بن شهاب الدامغاني بأنه منكر الحديث، فقال: وأما بكير ... فعراقي صدوق، فهو لم يتتبع حديثه وإنما حكم عليه حكماً عاماً، والله أعلم!
· تصحيح الشيخ الألباني لهذا الحديث:
وقد نقل الشيخ الألباني كلام الذهبي في الميزان، ثم قال: "ولعل مستنده في ذلك قول أبي حاتم فيه: "شيخ" مع ذكر ابن حبان له في الثقات، وتصحيح من صحح حديثه هذا ممن ذكرنا. وأما الحافظ فقال في التقريب: "مقبول" يعني عند المتابعة، ولم يتابع عليه كما صرّح بذلك أبو نعيم في قوله السابق، فالحديث في رأي الحافظ لين، والأرجح أنه صحيح كما ذهب إليه الجماعة، لا سيما وقد ذكر له الحافظ شاهداً في ((تخريج الكشاف" (ص 91) من رواية الطبراني في الأوسط عن أبي عمران الكوفي [26] عن ابن جريج عن عطاء عن جابر أن خزيمة بن ثابت ـ وليس بالأنصاري ـ[27] سأل النبيّ e عن الرعد؟ فقال: ((هو ملك بيده مخراق، إذا رفع برق، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت.)) قلت: ـ أي الألباني ـ ولم يتكلم عليه الحافظ بشيء، وأبو عمران لم أعرفه، وفي الرواة المعروفين بهذه الكنية إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه، ولكنه متقدم على هذا، والله أعلم. وقد روى الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (ص 85) من طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس، قال: ((الرعد ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي الإبل بحدائه)). وشهر ضعيف لسوء حفظه. وجملة القول أن الحديث عندي حسن على أقل الدرجات. وفي الباب آثار أخرى كثيرة أوردها السيوطي في ((الدر المنثور))، فليراجعها من شاء." انتهى كلام الشيخ الألباني -رحمه الله-.