وساق الدارقطني في ((السنن)) (3/ 173) حديث خشف بن مالك عن عبدالله بن مسعود قال: ((قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ مئة من الإبل، منها عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض)).
قال الدارقطنيّ: "هذا حديثٌ ضعيفٌ غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، أحدها: أنه مخالفٌ لما رواه أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه بالسند الصحيح عنه الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه".
·…الأحاديث التي أخرجها أصحاب السنن لأبي عبيدة عن أبيه:
أخرج أصحاب السنن الأربعة (32) حديثاً لأبي عبيدة عن أبيه، وفي بعضها ضعف إلى أبي عبيدة، فإذا صحّ الإسناد إلى أبي عبيدة فهو مما يقبله العلماء لما تقدم من أن أبا عبيدة أخذ حديث أبيه من أصحابه وأتقنه.
وقد ذكر هذه الأحاديث الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)) (7/ 157 - 167).
قال النسائي في ((السنن الكبرى)) (1/ 311) بعد أن أخرج حديثاً له: "أبو عبيدة لم يسمع من أبيه. والحديث جيد".
وأخرج حديثاً في ((السنن الكبرى)) (3/ 488) من طريق عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن ابن مسعود.
قال أبو عبدالرحمن: "خالفه سفيان الثوري، فرواه عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ورواية سفيان هو الصواب".
وأخرج الترمذي في ((جامعه)) في (1/ 337) حديثاً ثم قال: "حديث عبدالله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبدالله، وهو الذي اختاره بعض أهل العلم في الفوائت أن يقيم الرجل لكل صلاة إذا قضاها، وإن لم يقم أجزأه، وهو قول الشافعي".
وأخرج أيضاً في ((جامعه)) (2/ 202) وفي (4/ 213) وفي (5/ 271)، وقال بعد كلّ منها: "هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه".
وأما المتأخرون فإنهم يمشون مع القواعد الجامدة في كتب المصطلح فإذا ما مرّ بهم إسناد لأبي عبيدة عن أبيه؛ فإنهم يعلّونه بالانقطاع؛ لأنه لم يسمع من أبيه! ومشى على درب هؤلاء كثير من المشتغلين بعلم الحديث من المعاصرين!
والصحيح أن حديثه مقبول إذا صح الإسناد إليه، وإن لم يسمع من أبيه؛ لأنه استوعب حديث أبيه وفتاواه من أصحاب عبدالله كما بينت، والحمد لله.
·…ذِكرُ ابن حجر لأبي عبيدة في المدلسين!!
قال ابن حجر في ((طبقات المدلسين)) (ص 48): "أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود: ثقةٌ مشهورٌ. حديثه عن أبيه في السنن، وعن غير أبيه في الصحيح. واختلف في سماعه من أبيه، والأكثر على أنه لم يسمع منه، وثبت له لقاؤه وسماع كلامه، فروايته عنه داخلة في التدليس، وهو أولى بالذكر من أخيه عبدالرحمن، والله أعلم".
قلت: نعم، هو لم يسمع من أبيه، ولكنه أخذ حديث أبيه من أصحاب أبيه الثقات المعروفين، فانتفت شبهة أخذ الحديث من ضعيف وإسقاطه، فلا ينبغي ذكره في المدلسين؛ لأن وضعه مختلف تماماً عن الذين اشتهروا بالتدليس، والله أعلم.
وكتب: خالد الحايك.
13 محرّم 1429 هـ.