تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأن بعض المتأخرين يتساهلون في إطلاق العبارات، فيطلقون عدم الإدراك على عدم السماع.

ثُمّ وجدت عند ابن عساكر في ((تاريخه)) (35/ 67) بإسناده إلى محمد بن أحمد بن البراء، قال: قال علي بن المديني: "عبدالرحمن بن عبدالله: سمع من أبيه. وكان شعبة يقول: لم يسمع من أبيه. وهو عندي قد أدركه". قلت: فأبو عبيدة؟ قال: "لا، لم يدركه".

قلت: نفى عليّ بن المديني أن يكون أبو عبيدة أدرك أباه؛ وكأنه قصد هنا أنه لم يسمع منه. والعلماء على أنه أدركه، ومات أبوه وهو صغير، والله أعلم.

3 - قال الإمام البخاري في ((الكنى)) (ص 51): "أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود الهذلي. قال عثمان بن محمد: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة: ((كان أبو عبيدة أشبه صلاة بعبدالله، فرأيته يصلي وما يحرك شيئاً وما يطرف)). قال مسلم: حدثنا أبان، عن قتادة، عن أبي عبيدة أنه فيما سأل أباه عن بيض الحمام؟ فقال: صوم يوم".

قلت: أتى الإمام البخاري –رحمه الله- في ترجمة أبي عبيدة بأشياء لا يتنبه لها إلا عبقريّ مثله. فساق أولاً خبر تميم بن سلمة ليثبت أن أبا عبيدة أدرك أباه وتعلّم منه الصلاة. ثُم أتى بفتوى عن أبيه فيما يتعلق بما يصيبه المحْرِم من الصيد.

·…تنبيهان مهمان:

وجاء في المطبوع: "فيما سأل" وهذا يعني أن السائل هو أبو عبيدة، وليس كذلك، وكأنه تحرّف، والصواب: "فيما سُئِل". وقد يكون ما جاء في الأصل هكذا "فيما سأل"، فأراد البخاري أن ينبه على خطأ ذلك، والله أعلم.

وكذلك جاء السؤال عن بيض الحمام، والصواب: بيض النّعام.

ذكر ابن حزم في ((المحلى)) (7/ 234) من طريق وكيع، عن خصيف، عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه قال في بيض النعام: ((قيمته أو ثمنه)).

قال ابن حزم: "وهو قول إبراهيم النخعي، والشعبي، والزهري، والشافعي".

وذكر أيضاً في ((المحلى)) (7/ 235) قال: "في بيضة النعامة صوم يوم أو إطعام مسكين. فيه خبرٌ مسندٌ. وهو قول أبي موسى الأشعري وابن مسعود وابنيه أبي عبيدة وعبدالرحمن وابن سيرين".

وذكر ابن حزم أقوال أهل العلم في بيض الحمام، ولم يذكر فيه شيئاً عن أبي عبيدة ولا عن أبيه.

·…قبول الأئمة المتقدمين لأحاديث أبي عبيدة عن أبيه:

قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه: "هو منقطعٌ، وهو حديثٌ ثبتٌ".

وقال يعقوب بن شيبة: "إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديثٍ منكرٍ". (شرح علل الترمذي لابن رجب: 1/ 544).

قلت: حديث أبي عبيدة عن أبيه صحيح إذا صحّ الإسناد إليه؛ لأن أبا عبيدة إنما أخذ علم أبيه من أصحاب أبيه.

روى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (23/ 167) من طريق أبي معمر، عن أبي أسامة، عن مِسْعَر، عن عمرو بن مرة، قال: قلت لأبي عبيدة، مَنْ أعلم أهل الكوفة بحديث عبدالله؟ قال: "أبو وائل".

وقد روى غُندر عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: قلت لأبي عبيدة، أكان عبدالله بن مسعود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ فقال: "لا".

قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/ 95): "فلما انتفى عند أبي عبيدة أن أباه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ، وهذا أمرٌ لا يخفي مثله على مِثْلِه بَطل بذلك ما رواه غيره مما يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ليلتئذ إذ كان معه. فإن قال قائلٌ: الآثار الأولى أولى من هذا؛ لأنها متصلة، وهذا منقطعٌ؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً؟ قيل له: ليس من هذه الجهة احتججنا بكلام أبي عبيدة، إنما احتججنا به؛ لأن مثله على تقدمه في العلم، وموضعه من عبدالله وخلطته لخاصته من بعده، لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله ذلك حجة فيما ذكرناه، لا من الطريق الذي وضعت. وقد روينا عن عبدالله بن مسعود من كلامه بالإسناد المتصل ما قد وافق ما قال أبو عبيدة. حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا خالد بن عبدالله، عن خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله قال: لم أكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ولوددت أني كنت معه".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٣٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٣٥٩