تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 - وأما استدلاله بتصحيح الحاكم لحديث أبي عبيدة عن أبيه ففيه نظر! والحاكم –بالإضافة إلى تساهله- مترددٌ في سماع أبي عبيدة من أبيه! فإنه أخرج له حديثاً في ((المستدرك)) (1/ 681) ثُمّ قال: "هذا إسنادٌ صحيحٌ إن كان أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود سمع من أبيه! ولم يخرجاه".

3 - وأما استدلاله بتحسين الترمذي لروايته عن أبيه، فلا يعني أنه يثبت سماعه منه! كيف والترمذي يقول بعد كلّ حديث يرويه لأبي عبيدة عن أبيه: "وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه".

فتحسين الترمذي لحديثه عن أبيه لا يتعلق بمسألة السماع، وإنما يتعلق بمنهج المتقدمين في التعامل مع أمثال أبي عبيدة وحديثه، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله.

4 - وأما استدلاله بقولهم إن عمره كان سبع سنين عندما توفي أبوه، ولا ينكر لمثله السماع من أبيه، ففيه نظرٌ شديد! لأنه ليس بلازم أن يكون عمره سبع سنين ويسمع من أبيه في تلك السنّ! وهو نفسه قد سئل إذا كان يتذكر شيئاً من أبيه، فنفى ذلك. فكيف نثبت له سماعه من أبيه وهو ينفيه؟!

ثُمّ إن بعض أهل النقد قالوا عن أخيه عبدالرحمن بأن أباه عندما توفي كان عمره ست أو سبع سنين، وعبدالرحمن أكبر من أبي عبيدة، فيحتمل أنه حصل خلط لبعض أهل العلم بينهما، والراجح أن الذي كان عمره سبع سنين حينما توفي ابن مسعود هو ابنه الأكبر عبدالرحمن. فيكون سنّ أبي عبيدة أصغر من ذلك، ولهذا لم يذكر شيئاً عن أبيه عندما سئل عن ذلك.

·…تعقّب الزيلعي لشيخه علاء الدين في قوله: إنّ أبا عبيدة لم يدرك أباه!

نقل الزيلعي في ((نصب الراية)) (2/ 164) حديثاً لأبي عبيدة عن أبيه، ثم نقل كلام الترمذي فيه: "حديثٌ ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه".

قال الزيلعي: "ووهم شيخنا علاء الدين مقلداً لغيره! فينقل كلام الترمذي إلا أن أبا عبيدة لم يدرك أباه! والترمذي لم يقل ذلك في جميع كتابه، وإنما قال: لم يسمع منه. ذكره في خمس مواضع من كتابه: أولها في الطهارة في باب الاستنجاء، وثانيها في الصلاة في باب الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ، ثم في باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين، ثم في الزكاة في باب ما جاء في زكاة البقر، ثم في التفسير في سورة الأنفال ولفظه في الجميع: "وأبو عبيدة لم يسمع من عبدالله". وقد ذكر في باب الاستنجاء بحجرين وفي باب زكاة البقر سنده عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة هل تذكر من عبدالله شيئاً. انتهى. وهذا دليلٌ على أنه أدركه على صغر، وكذلك قال النسائي في ((سننه الكبرى)) في باب صف القدمين: وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. انتهى. ولم أجد فيما رأيته من كلام العلماء من قال: إنه لم يدرك أباه. فقال أبو داود: توفي عبدالله بن مسعود ولولده أبي عبيدة سبع سنين. وقال يحيى القطان: توفي عبدالله بن مسعود ولولده عبدالرحمن ست سنين. وسئل أحمد عن عبدالرحمن؟ فقال: أما الثوري وشريك فإنهما يقولان: إنه سمع من أبيه. وقال ابن المديني: لقي أباه. واختلف قول بن معين، فقال مرة: إنهما لم يسمعا من أبيهما. وروي عن معاوية بن صالح: أن عبدالرحمن سمع من أبيه ومن علي. وجزم ابن عساكر في ((الأطراف)) بسماع عبدالرحمن دون أبي عبيدة. وأبو عبيدة اسمه عامر، والله أعلم. ثُمّ وجدت الشيخ محي الدين في ((الخلاصة)) قال في هذا الحديث بعينه: إنه منقطع؛ فإن أبا عبيدة لم يدرك أباه. انتهى. وقال في باب إخفاء التشهد: أبا عبيدة لم يسمع أباه ولم يدركه باتفاقهم، وقيل: ولد بعد موته. وقال في باب الوتر: أبا عبيدة لم يدرك أباه، وكذلك قال في باب سجود السهو، وكذلك في باب صلاة الخوف، وكذلك في باب الجنائز". انتهى كلامه.

قلت: بل أدرك أبو عبيدة أباه، ومما يدل على ذلك أنه عندما سئل إذا كان يذكر شيئاً عن أبيه، أي مما سمعه منه، أجاب بالنفي، فلو أنه لم يدركه، لقال ذلك، وإنما نفى أن يكون متذكراً لشيء سمعه من أبيه. وأكثر أهل العلم مختلفون في سماعه من أبيه، والأكثر على أنه لم يسمع منه، وثبت له لقاؤه وسماع كلامه.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٣٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٣٥٨