تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: فدلّ هذا على أن أبا المغيرة كان يذكر السماع أحياناً، وأحياناً يرويه بالعنعنة. وأبو المغيرة ثقة أخرج له البخاري ثلاثة أحاديث، وأخرج له بقية الستة، وكأنه أخطأ في ذكر السماع؛ لأنه لم يتابع على ذكر السماع في هذا الحديث، ويحيى بن جابر كان كثير الإرسال.

· وهم لأبي المغيرة في ذكر السماع!

قال ابن أبي حاتم في ((علل الحديث)) (2/ 118): سمعت أبي وذكر حديثاً: حدثنا محمد بن عوف، عن أبي المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج، عن صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر الطائي، قال: سمعت النواس بن سمعان، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الإثم والبر؟ قال: ((البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يعلمه الناس)). فسمعت أبي يقول: "هذا حديثٌ خطأ، لم يلقَ ابن جابر النواس". قلت: الخطأ يدل أنه من أبي المغيرة فيما قال: "سمعت النواس"، وذلك أن إسمعيل بن عياش روى عن صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر، عن النواس، لم يذكر السماع. فيحتمل أن يكون أرسله، ويحيى بن جابر كان قاضي حمص، يروي عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس".

وقد نفى أبو حاتم الرازي سماع يحيى بن جابر من المقدام. قال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص 244): سألت أبي عن حديث معاوية بن صالح عن يحيى بن جابر عن المقدام بن معدي كرب، هل لقي يحبى بن جابر المقدام بن معدي كرب؟ قال أبي: "يحيى عن المقدام مرسل".

وظاهر تصرف الإمام البخاري في ترجمة يحيى من ((التاريخ الكبير)) (8/ 265) نفي ذلك أيضاً، فإنه قال: "يحيى بن جابر الطائي القاضي الشامي عن المقدام بن معدي كرب". فقول البخاري: "عن" يعني أنه لم يسمع منه، ولو ثبت سماعه منه لقال: "سمع المقدام".

· مناقشة الشيخ الألباني في بعض المسائل الحديثية:

وقد تشبث الشيخ الألباني برواية أبي المغيرة التي فيها التصريح بالسماع وأثبت ليحيى السماع من المقدام ورد من خالف ذلك!

قال في ((الإرواء)) (7/ 42) بعد أن ساق رواية الإمام أحمد: "وهذا إسناد صحيح متصل عندي، فإن رجاله ثقات كلهم، وسليمان بن سليم الكناني أعرف الناس بيحيى بم جابر الطائي وحديثه، فإنه كان كاتبه، والطائي قد أدرك المقدام، فإنه تابعي مات سنة ست وعشرين ومئة، ولذلك أورده ابن حبان في ((ثقات التابعين)) قال: "من أهل الشام، يروي عن المقدام بن معدي كرب، روى عنه أهل الشام، مات سنة ست وعشرين ومئة". والمقدام كانت وفاته سنة سبع وثمانين، فبين وفاتيهما تسع وثلاثون سنة، فمن الممكن أن يدركه، فإذا صحّ تصريحه بالسماع منه، فقد ثبت إدراكه إياه، وإلى ذلك يشير كلام ابن حبان المتقدم، وعليه جرى في ((صحيحه)) حيث أخرج الحديث فيه، وكذلك الترمذي فإنه قال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح". وأما الحاكم فسكت عليه خلافاً لعادته، فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: صحيح". إذا عرفت ما بينا، فقول ابن أبي حاتم في كتابه، وتبعه في ((تهذيب التهذيب)): "روى عن المقدام بن معد كرب، مرسل". فهو غير مسلم، وكأنه قائم على عدم الاطلاع على هذا الإسناد الصحيح المصرح بسماعه منه". انتهى كلامه.

قلت:

1 - ليس بمتصل فقد نص الأئمة النقاد على أن يحيى بن جابر لم يسمع من المقدام، وهو يرسل عنه.

2 - حتى لو كان سليمان بن سليم أعرف الناس بيحيى وحديثه! فإن هذا لا يدل على اتصال حديثه! لأن يحيى كان كثير الإرسال، وقد وأرسل عن عوف بن مالك وأبي ثعلب النهدي والنواس بن سمعان وعبدالله بن حوالة.

بل إن عالم أهل الشام الحافظ ابن عساكر قد نص على أن حديث يحيى عن المقدام مرسل (تاريخ دمشق: 64/ 100).

3 - حتى لو أن يحيى أدرك المقدام فلا يعني هذا أنه سمع منه! فكم من راوٍ أدرك آخر ولكنه لم يسمع منه!

ثُمَّ إن المقدام مات سنة سبع وثمانين وله إحدى وتسعون سنة، وهذا يقتضي أن من سمع منه لا بد أن يكون قديماً، ولا نعرف ولادة يحيى! فقول الشيخ أن بين وفاتيهما تسع وثلاثون سنة مستدلاً بذلك على أنه أدركه غير سديد!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٣٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٣٤٠