وأخرج ابن حبان في ((صحيحه)) (15/ 393) من طريق الحسن بن حماد، قال: حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقِدَمي في الإسلام ... وساق حديثاً طويلاً، وفيه: وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئاً حتى آتيك. فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت، وأنا في جانب، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ها هنا أخي؟ قالت أم أيمن: أخوك، وقد زوجته ابنتك؟ قال: نعم.
ولم يأت فيه ذكر لأسماء بنت عميس.
هكذا هذا الإسناد في مطبوع ((صحيح ابن حبان)): قتادة عن أنس! وأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (22/ 409) من طريق الحسن بن حماد الحضرمي، قال: حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس بن مالك.
وقد أشار الشيخ شعيب الأرنؤوط أثناء تحقيقه لصحيح ابن حبان إلى رواية الطبراني، ولكنه لم يتنبه لزيادة ((الحسن)) في الإسناد! وكأنه سقط من نسخة صحيح ابن حبان؛ لأن الهيثمي لم يذكره في ((موارد الظمآن)) (ص 550)، والله أعلم.
وعلى أيّ حال فالحديث ضعيف؛ بسبب يحيى بن يعلى الأسلمي وهو شيعيّ ضعيف، ليس بالقوي، مضطرب الحديث. قال ابن حجر في ترجمة ((يحيى بن يعلى)) من ((تهذيب التهذيب)) (11/ 266): "وأخرج له ابن حبان في صحيحه حديثاً طويلاً في تزويج فاطمة فيه نكارة". وقال البزار: "يغلط في الأسانيد".
وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) (1/ 84) عن أبي أسامة، عن زائدة. وأخرج أيضاً (1/ 104) عن عفّان عن حماد، كلاهما عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي -رضي الله عنه- قال: ((جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل، وقربة، ووسادة آدم حشوها ليف الإذخر)).
وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (3/ 334) عن نصير بن الفرج الطرسوسي عن أبي أسامة به. وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (2/ 202) من طريق معاوية بن عمرو عن زائدة نحوه. قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وأخرجه ابن ماجة في ((سننه)) (2/ 1390) عن واصل بن عبدالأعلى، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عليّ: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى علياً وفاطمة وهما في خميل لهما –والخميل: القطيفة البيضاء من الصوف- قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جهزهما بها ووسادة محشوة إذخراً وقربة)).
وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث في قوله: ((باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمساكين وإيثار النبي صلى الله عليه وسلم أهل الصفة والأرامل حين سألت فاطمة أن يخدمها)).
قال ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)) (ص 48): "إيثار النبي صلى الله عليه وسلم أهل الصفة والأرامل حين سألته فاطمة أن يخدمها: وصله أحمد في مسنده من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن علي مطولاً، وأصله في الصحيح في تعليمها الذكر عند النوم دون مقصود الترجمة".
وقال في ((تغليق التعليق)) (3/ 469): "قلت: وقصة فاطمة قد أسندها في الباب، وفي مواضع أخرى. وليس عنده ذكر إيثار أهل الصفة عليها". ثُمَّ غلّق الحديث ووصله، ثُمَّ قال: "وحديث حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب قبل الإختلاط. وكذا رواه زائدة بن قدامة عن عطاء بن السائب وهو ممن سمع منه قبل الإختلاط. ورجاله كلهم ثقات".
قلت: حديث عطاء بن السائب جزءٌ من حديث طويل رواه حماد بن سلمة ومحمد بن فضيل وغيرهما عنه.
روى البزار في ((مسنده)) (3/ 7) عن يوسف بن موسى، عن محمد بن فضيل، قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه أتى فاطمة، فقال لها: إني لأشتكي صدري مما أمد بالقرب. فقالت: وأنا والله إني لأشتكي يدي مما أطحن بالرحى. فقال لها علي: ائتي النبي صلى الله عليه وسلم فسليه أن يخدمك خادماً. فانطلقت إلى رسول الله، فسلمت عليه، ثم رجعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ قالت: جئت لأسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رجعت إلى علي، قالت: والله ما استطعت أن أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من هيبته. فانطلقا إليه جميعاً، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بكما؟ لقد جاء -أحسبه قال: بكما حاجة؟ فقال له علي: أجل يا رسول الله، شكوت إلى فاطمة يدي من مدي بالقرب، فشكت إليّ يديها مما تطحن بالرحى! فأتيناك لتخدمنا خادماً مما آتاك الله. فقال: لا ولكني أنفق -أو أنفقه- على أصحاب الصفة التي تطوى أكبادهم من الجوع، لا أجد ما أطعمهم. قال: فلما رجعا فأخذا مضاجعهما من الليل أتاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميل، والخميل القطيفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جهزها بها، وبوسادة حشوها إذخر، وقد كان علي وفاطمة حين ردهما شق عليهما، فلما سمعا حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبا ليقوما، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: مكانكما، ثم جاء حتى جلس على طرف الخميل، ثم قال: إنكما جئتماني لأخدمكما خادماً، وإني سأدلكما –أو كلمة نحوها- على ما هو خير لكما من الخادم: تحمدان الله في دبر كلّ صلاة عشراً، وتسبحان عشراً، وتكبران عشراً، أو تسبحانه ثلاثاً وثلاثين، وتحمدانه ثلاثاً وثلاثين، وتكبرانه أربعاً وثلاثين، فذلك مئة، إذا أخذتما مضجعكما من الليل. فقال علي: فما أعلم أني تركتها بعد. فقال له عبدالله بن الكواء: ولا ليلة الصفين؟ قال له علي: قاتلك الله، ولا ليلة صفين.