وقد جاء الحديث عن أبي الصديق الناجي من طريق آخر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5/ 243) عن محمد بن الفضل السقطي، قال: حدثنا عُبيدالله بن معاذ بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمران أبو النعمان العمي، قال: حدثنا أبو الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج في هذه الأمة قوم سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون فيه أبداً)).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عمران بن أبي النعمان إلا معاذ بن معاذ".
قلت: هكذا جاء عند الطبراني في الإسناد ((عمران أبو النعمان العمي)) ثم قال: ((عمران بن أبي النعمان))، ولم أجده في أي كتاب!! وهو مجهول لا يُعرف! ومعاذ بن معاذ العنبري ثقة! وأخشى أن يكون حدث خلل للطبراني في إسناده، والله أعلم.
وحديث قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، تفرد به سعيد بن بشير! ومتنه مرويٌ بالمعنى والفهم، وخاصة ما جاء من القياس في نهايته: ((كما لم يتعلق به شيء من الدسم والدم، كذلك لم يتعلق هؤلاء بشيء من الإسلام)). وذكر ((الدسم)) لا يوجد في حديث غير هذا!
والحديث مشهور في ((الصحيحين)) وغيرهما من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئاً، وينظر في القدح فلا يرى شيئاً، وينظر في الريش فلا يرى شيئاً، ويتمارى في الفوق)). وفي رواية: ((في الفوقة هل علق بها من الدم شيء)).
ولا يُعتمد على سعيد بن بشير في أن هذا الحديث سمعه قتادة من أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد! نعم قتادة لم يسمع من أبي سعيد. قال الحاكم في ((علوم الحديث)): "لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس" (تهذيب التهذيب: 8/ 318). وقد تفرد به سعيد بن بشير عن قتادة! وهو يتفرد عنه بمناكير.
وأظن أن أنساً سمع هذا الحديث من أبي سعيد؛ لأن الحديث عن أبي سعيد أشهر. وقتادة رواه عن أنس دون ذكر أبي سعيد. وقد تقدم في رواية أحمد، قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني قتادة عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري. وقد حدثناه أبو المغيرة، عن أنس، عن أبي سعيد، ثُمَّ رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ وجدت أنساً قد صرّح بأنه لم يسمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، فروى أحمد في ((مسنده)) (3/ 183) و (3/ 189) عن يحيى وإسماعيل، كلاهما عن سليمان التيمي، عن أنس قال: ذُكِرَ لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -ولم أسمعه منه-: ((إنّ فيكم قوماً يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس وتعجبهم نفوسهم يمرقون من الدِّين مروق السهم من الرمية)).
فتعيّن أن يكون أنساً سمعه من أبي سعيد الخدري، والله أعلم.
· ترجمة سعيد بن بشير:
قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (3/ 460): "سعيد بن بشير، مولى بني نصر. عن قتادة. روى عنه الوليد بن مسلم ومعن بن عيسى. يتكلمون في حفظه. نُراه أبا عبدالرَّحمن الدِّمشقي الذي روى عنه هشيم عن أبي عبدالرحمن عن قتادة".
قلت: هذا الأخير استفاده البخاري من كتاب ((العلل)) لأحمد. قال عبدالله (3/ 306): قلت لأبي: هُشَيم عن أبي عبدالرحمن عن قتادة؟ قال أبي: "أبو عبدالرحمن أُراه سعيد بن بشير".
واستفاده من البخاري: أبو حاتم الرازي. قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (4/ 6): "سعيد بن بشير، مولى بني نصر. روى عن قتادة وأبي الزبير ومطر الوراق. روى عنه وكيع وعبدالرحمن بن مهدي والجراح بن مليح ومعن بن عيسى والوليد بن مسلم. وروى هشيم عن أبي عبدالرحمن الدمشقي عن قتادة، ونرى أنه سعيد بن بشير. سمعت أبي يقول ذلك".