ولذلك؛ فالأصولية زَعْمٌ أُلحق بالمسلمين؛ لتجريم العالم الإسلامي، وبخاصة الدول والجماعات التي استعصت على الغرب أن يجرها في فلكه.
ولأن الأصولية يعني بها: التجريم، والإرهاب، والوحشية، والدموية، ومجازفة التحضر والتمدن، وفق معناها الكنسي عندما كان الغرب يسبح في عصر الظلمات!!
وكثير من المسلمين ظلوا بين الطرفين كالشاة العائرة بين الصفين، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ذلك لأن المنحرفين راحوا يشككون في قدرة الإسلام أن يبين حضارة المسلمين الحديثة الأصيلة.
وبما أن الدين لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية واسعة وراسخة، فإن المنحرفين عنه لم يقدروا على الهجوم على صلاحية الإسلام أو إمكانية المسلمين للقيام ببناء حضارة حديثة، بل راحوا ينافقون - كل حسب اتجاهه المتطرف- أيما نفاق.
فبعضهم حاولوا أن يحصروا الدين عند الناس في حدود معينة من السلوك الفردي، وبعض النظم الاجتماعية، أما في المناهج العلمية والقواعد الخلقية؛ فلا بد أن يصبح تابعاً متواضعاً للفلسفة التي يختارونها، كل حسب هواه.
أما النصوص الشرعية المخالفة لهم في نسبتهم هذه؛ فكانت في أيديهم ألين من الحديد بين أصابع داود –عليه السلام-، حيث أخذوا يؤوِّلون فيها ويحرفون ويفترون على الله الكذب، وهم هادئون مطمئنون.
وفي الطرف المعاكس تماماً كان الانهزاميون يقومون بدور مماثل، ولكن من منطلق مختلف، إذ كانوا يحاولون تجريد الإسلام من روحه الناصعة، ومبادئه الفطرية الصائبة، وتمييع أحكامه المحددة، وتوجيه نصوصه وفق فلسفات الغرب الحديثة، ناسين أو متناسين كل ما في هذه الأخيرة من سلبيات وتناقضات.
وقد بلغ الجهد ببعضهم حداً دعا المسلمين إلى تبني فكرة مناهضة للإسلام تماماً، وباسم الإسلام ذاته، وقالوا: لا يعدو الإسلام أن يكون انتماء قومياً، أو قبلياً، أو عائلياً، فهو ينسجم - أو لا بد أن نجعله ينسجم! - مع كل جديد يقتضيه اتجاه المدنية الحديثة.
ولم يعلموا أنه بعملهم هذا انتزعوا عن الإسلام أهم ما فيه، وهي الروح المبدعة الخلاقة.
وضاعت الأمة الإسلامية المرتقبة، والحضارة الإسلامية المأمولة، على مفترق الطرق، واحتارت في زحمة الاتجاهات المتطرفة. وأصبح الإسلام كلمة مطاطة كأنها ضباب السواحل تشمل جميع المتناقضات، وليس أبداً ذلك الدين الواحد الذي جاء به رسول واحد من رب واحد، لتكوين أمة واحدة، بل صار ألف دين وألف مذهب وألف أمة وألف ملة ... وكانت هذه عقبة تعترض مسيرة المسلمين الحضارية وكان لا بد لنا من تحديها بأمرين:
1 - تجريد الإسلام من الفلسفات الجاهلية التي نسبها المنحرفون إلى الدين حتى يعود الدين كما أنزله الله -سبحانه- على رسول الله – صلى الله عليه وسلّم- عقيدة صافية وفكرة رائعة تحمل نفسها على كتف الحياة، وتنسجم وتتفاعل معها، ولا يمكن ذلك دون العودة إلى ذات النصوص الشرعية، ومحاولة التسليم لها، والتفتح عليها، دون التأويل لها، والتحريف لكلماته.
إن الإسلام بنى الحياة المادية على أفضل ما تكون، وفتح أبواب الأمل؛ ليصل الإنسان إلى كماله المهيأ له، ولكن ليس على حساب الآخرين كما يفعل الغرب المادي، ومع الجانب المادي يسعى الإسلام إلى بناء الكيان الروحي والعقلي والأخلاقي في الإنسان؛ لأن المادة جزء من حياة الإنسان، وأما الجزء الآخر؛ فهو الروح، والعقل، والأخلاق.
قال - تعالى-: ﴿ربنا آتنا في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخرة حَسَنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة:201].
قال – صلى الله عليه وسلّم-: «إنما بعثت؛ لأتمم مكارم الأخلاق». ويروى عن عيسى -عليه السلام- قوله: ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان.
فالأخلاق والعلم جناحان يحلق بهما الإنسان في سماوات الإجادة والإفادة.
2 - تجريد الحضارة الحديثة مما شابهها من سلبيات الإنسان الأوروبي، ونظراته الضيقة المحدودة، وذلك بدراستها في ضوء وهدى القرآن والسنة، ومنهج خير القرون، دون تقليد منا لها أو انغلاق عنها، لأن الانعزال والتقوقع على التراث في عالم اليوم - الذي تحول إلى (غرفة) صغيرة بحكم التطور التقني الهائل، في تكنولوجيا الاتصال- أمر مستحيل كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة – بحد ذاته- انتصار للمدنية الغربية الكاسحة، وهو طريق التبعية الحضارية التي تفقد المسلمين خصوصيتهم الحضارية، ويحولهم إلى مجرد هامش لمدينة الغرب.