تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاستلهام من الدين الصحيح يشكّل القاعدة والمنطلق والأصالة، والتفتح على الحياة يشكّل المسير والتفاعل.

فنحن إذاً بحاجة إلى تأصل وتفتُّح، ولا بد أن نحققهما عبر ثلاثة مراحل:

1 - مرحلة التأصيل، وفيها نحاول استيعاب الفكرة الحضارية التي تتمثل في الدين الإسلامي المصفى إيماناً وعلماً.

2 - مرحلة البعث، وفيها نشعر بالتخلف، ونستيقظ من سباتنا العميق، ونريد أن نحيا.

3 - مرحلة التفتح، وفيها نحاول الاستفادة من معطيات العلم الحديث الصالحة.

إن هذا هو الخط الواضح القويم الذي لا يمكننا أن ننجح دون الالتزام به، والوفاء بمتطلباته.

إن أسس الحل واحدة، وتتمثل في العودة الصحيحة إلى المنبع الصافي، بمراجعة الواقع الذاتي، ونبذ البدع والشوائب التي أصابت المسلمين بسبب جهلهم وقصورهم.

أو برفض الآخر الذي يعمل على غرس جرثومة الانحلال، والفتنة، والضعف، والتفكيك في الجسم الإسلامي.

أو محاولة التوفيق بين الواقع والآخر؛ وذلك بتعديل الآتي من الخارج، والتكيُّف معه، دون التخلي عن الأصول والثوابت.

بيد أن هناك عقبات تعترض الطريق، وبمدى قدرتنا على تحديها تكون جدارتنا بحماية حضارتنا التليدة، وبناء الحضارة الجديدة.

إن العوامل الداخلية في العالم الإسلامي التي تكيد للإسلام كيداً لهي أشد وأنكى من الآتية من الخارج، لأن القادم الخارجي مهما كانت عداوته؛ فهو شيء متوقع، ومن الممكن تفاديه بالسياسة، أو المهادنة، أو الانحناء أمام العاصفة، أو أساليب الحرب الباردة.

أما الداخلية؛ فهي نار هشيم يتسع اشتعالها كلما رُمْتَ إطفاءها، فهي توقد فتناً، وتفرقنا إلى شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون، وهي: الغلو، والتطرف، والنَزعات الإقليمية، والنَزغات الحزبية.

وهي التي تريد بالمسيرة الانحراف عن خطها المستقيم.

فبعضها يحاول تجميدنا على الأوضاع الفاسدة.

وآخر يريد تمييعنا في بوتقة الحضارات المعاصرة.

والذي لا ريب فيه: أن الغلو والتطرف بعيد عن روح الإسلام بُعْدَ المشرقين؛ ذلك لأن الإسلام عقيدة شاملة أصيلة متفاوتة كلياً مع فلسفات الإغريق والبراهمة -الوثنية المشركة-، ولكن الإسلام منفتح –كلياً- على معطيات العقل والعلم، ولا يرضى التقوقع ضمن توابيت القديم.

والتمييع العالي هو الآخر عقبة كؤود، يشكلها الانهزاميون الذين منعتهم التيارات الغربية الشعور بأنفسهم، فراحوا ينظرون إلى واقعهم وكيانهم بعيون مستعارة، فلا يرون إلا مصالح الآخرين، فهم يريدون أن نرفض كل أصيل، لأنه -في زعمهم- السبب المباشر لتخلفنا.

والذي يلفت النظر: أنه كلما اشتد الاحتكاك الغربي بالمسلمين زاد الصراع، واشتدت حدة التطرف والغلو والعنف والإرهاب؛ فالغرب هو مؤجج حركات الغلو والتطرف والإرهاب، ومحتضنها في عقر داره، والساعي بالنميمة السياسية.

وعليه؛ فإن وصف الإسلام بالتطرف والإرهاب بدعة أطلقها الغرب، وأكذوبة روج لها الصهاينة؛ للحدّ من نشاط المسلمين في الدفاع عن الدين والعِرض والأرض.

وعملية إسقاط؛ لأن حياة الغرب قائمة على العنف، والتطرف، والإرهاب، ولا زال الاضطهاد والقتل والتدمير قائماً على مسمع الدنيا وبصرها، لا يرقب في مسلم إلَّاً ولا ذمة، وإن كانوا يُرْضُون المسلمين بأقوالهم ووعودهم: بالتحرير، والتنمية، والديمقراطية ﴿يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً﴾ [النساء:120].

ولذلك؛ فالأصولية زَعْمٌ أُلحق بالمسلمين؛ لتجريم العالم الإسلامي، وبخاصة الدول والجماعات التي استعصت على الغرب أن يجرها في فلكه.

لأن الأصولية يعني بها: التجريم، والإرهاب، والوحشية، والدموية، ومجازفة التحضر والتمدن، وفق معناها الكنسي عندما كان الغرب يسبح في عصر الظلمات!!

وكثير من المسلمين ظلوا بين الطرفين؛ كالشاة العائرة بين الصفين، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً؛ ذلك لأن المنحرفين راحوا يشككون في قدرة الإسلام أن يبني حضارة المسلمين الحديثة الأصيلة.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠٧٦