الخامس: أنهم الأشعريون رهط أبي موسى، وأمثالهم من القادمين من حقيقة اليمن دون من سواهم، كما قال الطحاوي، في ذلك الزمان لا في كل زمان.
قال الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» في شرح الحديث: "وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن ثم إلى مثل أبي موسى الخولاني وأويس القرني وطاوس ووهب بن منبه وغيرهم من علماء أهل اليمن، وكلّ هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماء بالله يخشونه ويخافونه وبعضم أوسع علماً بأحكام الله وشرائع دينه من بعض ولم يكن تمييزهم عن الناس بكثرة قيل وقال ولا بحث ولا جدال".
روى الإمام أحمد في «مسنده» (2/ 258) عن عبدالرزاق، عن عقيل بن معقل، عن همام بن منبه قال: قدمت المدينة فرأيت حلقة عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت، فقيل لي: أبو هريرة، قال: فسألت، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل اليمن، فقال: سمعت حبي- أو قال: سمعت أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم يقول: «الإيمان يمان والحكمة يمانية، هم أرق قلوباً والجفاء في الفدادين أصحاب الوبر وأشار بيده نحو المشرق».
وقال ابن الصلاح في «صيانة صحيح مسلم» (ص 209 - 213): "لو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه ولما تركوا الظاهر ولقضوا بأن المراد بذلك: اليمن وأهل اليمن على ما هو مفهوم من إطلاق ذلك، إذ من ألفاظه: «أتاكم أهل اليمن»، والأنصار من جملة المخاطبين بذلك فهم إذاً غيرهم. وكذلك قوله: «جاء أهل اليمن»، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، ثم إنه وصفهم صلى الله عليه وسلم بما يقضي بكمال إيمانهم، ورتب عليه قوله: «الإيمان يمان»، فكان ذلك نسبة للإيمان إلى من أتاهم من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة.
ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة؛ لأن من اتصف بشيء وقوي قيامه به وتأكد اضطلاعه به نسب ذلك الشيء إليه إشعاراً بتميزه به وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان وحال الوافدين منهم في حياته صلى الله عليه وسلم وفي أعقاب موته كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وأشباههماممن سلم قبله وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعاراً بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي لذلك عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله: «الإيمان في أهل الحجاز».
ثم إن المراد بذلك: الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه هذا، والله أعلم".
وقد ارتضى هذا النووي فنقله في شرحه على كتاب مسلم، ولم يتعقبه، وكذلك المناوي في «فيض القدير» (3/ 186) حيث قال: "ثم المراد الموجودين حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمن".
وذهب الحافظ ابن حجر إلى ما هو أعم من هذا، فقال في «فتح الباري» (8/ 99): "ولا مانع أن يكون المراد بقوله الإيمان يمان ما هو أعم مما ذكره أبو عبيد وما ذكره ابن الصلاح، وحاصله أن قوله يمان يشمل من ينسب إلى اليمن بالسكنى وبالقبيلة، لكن كون المراد به من ينسب بالسكنى أظهر بل هو المشاهد في كل عصر من أحوال سكان جهة اليمن وجهة الشمال فغالب من يوجد من جهة اليمن رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والابدان ... وأورد البخاري هذه الأحاديث في الأشعريين، لأنهم من أهل اليمن قطعاً، وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قال: الله أكبر إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم حسنة طاعتهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية".
· الرأي المختار:
قلت: إيراد البخاري له في باب الأشعريين فيه إشارة إلى أنه يرى أن المراد بهذا الحديث هم الأشعريون رهط أبي موسى ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمنالموجودين حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمن، وهذا هو رأي جمهور أهل العلم كما تقدم عنهم، وهو الصواب إن شاء الله.