تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكلّ ما جاء في الجيوش في المدن والبلاد لا تصح، إلا ما جاء في أَوَّل جَيْشٍ من المسلمين غزوا البحر وكانت أم حرام بنت ملحان معهم، وكذلك الجَيْش الذي غزا مَدِينَة قَيْصَرَ، وقال عنهم النبي صلى الله عليهم وسلم: «مَغْفُورٌ لهم».

وتضعيفنا لهذه الأحاديث لا يدلّ بحال على إهمال الجانب العسكري الذي يحفظ به الدّين، بل إنّ إقامة الشرع لا بدّ له من سيف يحميه، وإنما الاعتراض على استحضار مثل تلك الأحاديث على تصحيح آراء جماعة معينة أو احتكارها لواقع ما!

فالأمة الإسلامية عبر التاريخ كان لها الجيوش في أماكن سلطانها تدافع بها عن الدّين ونشره ومحاربة أعدائه.

20/ 4/2015 م

* دكتور في الحديث وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

«تنزيل النصوص على الواقع وتكييف الواقع لمطابقة النصوص» (3)

«هل تنزل الروم الشام للملحمة؟» .. أحاديث «دابق والأعماق»!

…الدكتور خالد الحايك*

في الوقت الذي كانت الفتوحات الإِسلامية التي خرجت من أرض الجزيرة العربية زمن الصحابة والتابعين تنتشر وتتسع جغرافياً، كانت القوى العظمى آنذاك ممثلة ببلاد فارس والروم لا تزال تتصدى وتقاوم حملة جيوش الفتح الإسلامي، وقد تأسست هناك مواطن رباط مهمة في مناطق عديدة وخاصة في بلاد الشام التي كانت تحت سيطرة الروم، وفيها حصلت معارك وحروب استراتيجية عديدة.

وبعد تعاقب الحوادث والأزمان واتساع حركة الفتوحات، بدأت الأحاديث والروايات بالتكاثر والانتشار بين الناس، وخاصة في بعض البلدان الإسلامية، ومن تلك الأحاديث التي شاعت وفشت ما يتعلق بمكانين مهمين في منطقة الشام في مدينة حلب، وهما: «دابق والأعماق».

أما «دابق» فهي قرية تابعة لمنطقة «أعزاز» في مدينة حلب، وتبعد عنها ما يُقارب خمسة وثلاثين كيلومتراً شرقها. وكانت «دابق» محلة يجتمع فيها الناس للغزو. وكان ينزل فيها بنو مروان للغزو، ففي سنة ست وسبعين غزا محمد بن مروان الصائفة وخرجت فيه الروم إلى الأعماق فهزمهم، وإليها خرج سليمان بن عبدالملك بن مروان سنة ثمان وتسعين للهجرة، حيث عسّكر هناك وعزم أن لا يرجع حتى يفتح «القسطنطينية» أو تؤدى الجزية، وقد مرض هناك ومات فيها، وفي دابق أُخذت البيعة بعده لعمر بن عبدالعزيز.

وكان مَسلمة بن عبدالملك بن مروان بن الحكم قد غزا الروم وحاصر القسطنطينية من دابق. وبقيت دابق محط اجتماع الجيوش بعد ذلك، ففي سنة ثمان وثلاثين ومائة غزا صالح بن عليّ بن علي بن عبدالله بن عباس فنزل دابق، وأقبل قسطنطين بن أليون طاغية الروم في مائة ألف فلقيه صالح فقتل وسبى وخرج سالماً.

وفي «دابق» حصلت المعركة المشهورة «معركة مرج دابق» بين العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول، والمماليك بقيادة قانصوه الغوري سنة ثنتين وعشرين وتسعمائة، وكانت هذه المعركة بداية الفتوحات العثمانية بانتصارهم على المماليك.

وأما «الأعماق» فهو اليوم موضع معروف من أعمال أنطاكيا داخل الحدود التركية، وفيها بحيرة معروفة تسمى «بحيرة العمق»، ولما كان الناس يجتمعون للعزو في «دابق» فقد كانوا

ينزلون هناك في «العمق» = «الأعماق».

ومع تواتر الأحداث التي تشهدها المنطقة في زماننا، تكاثرت الأحاديث والروايات التي تتحدث عن الملاحم وقرب قيام الساعة وتحقق أشراطها، إذ استدعيت أحاديث كثيرة في هذا السياق، ومنها الحديث المشهور الذي رواه الإمام مسلم في «صحيحه» من طريق سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أو بِدَابِقٍ، فيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ من المَدِينَةِ من خِيَارِ أَهْلِ الأرض يَوْمَئِذٍ، فإذا تَصَافُّوا، قالت الرُّومُ: (خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ)! فيقول الْمُسْلِمُونَ: (لا والله، لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا)، فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لا يَتُوبُ الله عليهم أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ الله، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ، لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قد عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: (إِنَّ الْمَسِيحَ قد خَلَفَكُمْ في أَهْلِيكُمْ)! فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فإذا جاؤوا الشام خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّهُمْ، فإذا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كما يَذُوبُ الْمِلْحُ في الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لانْذَابَ حتى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ الله بيده فَيُرِيهِمْ دَمَهُ في حَرْبَتِهِ».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٦٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٦٥١