والذي جعل كثيراً منهم يتمسك بإسقاط هذا الحديث على الدولة ما جاء ذكره «هم أصحاب الدولة»! وهذا ليس دليلاً على صحة ذلك إذ الحديث أورده أبو نُعيم في كتاب «الفتن» في «باب خروج بني العباس» وهم أصحاب الدولة كما قال الإمام الذهبي. قال عن مؤسس الدولة العباسية: "أبو مسلم الخراساني عبدالرحمن بن مسلم ... الأمير، صاحب الدعوة، وهازم جيوش الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية .. كان أبو مسلم سفّاكاً للدماء، يزيد على الحجاج في ذلك، وهو أول من سنَّ للدولة لبس السواد .. ".
وأما ما يتعلق بالأسماء والكنى والانتساب إلى القرى فهذا حال أهل العلم قديماً وليس مقصوراً على جماعة دون أخرى، ومن نظر في كتب تراجم أهل العلم عرف ذلك جلياً ... وأما طول الشعور فهذه أيضاً صفة كثير من أهل الإسلام وكانت صفة من خرجوا مع أبي مسلم الخراساني، وليس كلّ المجاهدين يُرخون شعورهم ...
وأما من حمل هذا الحديث على الدولة من موافقيهم، فقال في بحثه «إعلام الأخيار أن جند أبي بكر هم أصحاب الرايات السود كما دلت الآثار»: "أحاديث الرايات السود بعضها حسن وهي تشد معها الضعيف وتقويه والشواهد والحقائق من واقعنا تثبت ذلك .. وابن كثير رحمه الله تعالى من العلماء الذين يرجحون حتمية خروج رايات سود في آخر الزمان ومقدمة لنصرة المهدي وتمهيد لخلافته ودليل آخر على صحة المرويات النبوية عن خروج الرايات السود هو تيمن خلفاء بني العباس بها فكان شعارهم وراياتهم سود ... هل كان ذلك ابتداعا وتدليسا على الأمة فمن الاستحالة أن يقوم بني العباس بتزوير الأحاديث والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وهم في قرن يوجد به كبار أهل الحديث .. كالأوزاعي .. وسفيان الثوري .. والإمام أحمد.
ويجدر الإشارة أن التعامل مع الضعيف من الأحاديث هو على ثلاثة مذاهب ولك الحق أن تأخذ بأي مذهب: المذهب الأول: أنه لا يجوز العمل به مطلقاً. المذهب الثاني: أنه يعمل به مطلقاً. المذهب الثالث: أنه يعمل به في الفضائل العملية والمواعظ والقصص والملاحم والفتن ونحو ذلك مما ليس له تعلق بالعقائد والأحكام وهو ما أميل إليه.
وعليه فأحاديث الرايات السود هي بمجموع طرقها حسنة والوقائع الحالية في الشام تدل على صحتها و في هذه الدراسة الموجزة سوف نقتصر على تحليل كافة متون أحاديث الرايات السود ومحاولة ربطها بواقعنا".
فهذا نموذج من الفوضى العلمية التي نعيشها في زماننا! فصاحب البحث يتحدث في علم الحديث ولا يفقه فيه شيئاً! وهذه الأحاديث كلها منكرة ولا تقوي بعضها بعضا – كما زعم-، وابن كثير قد بينا في بداية المقال أنه احتار في المسألة بسبب ذكر المهدي في بعض الأحاديث! وأما نفيه تزوير الأحاديث عن بني العباس فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم! فالذي وضع هذه الأحاديث في بني العباس هم أنصار خصومهم من بني أمية!! ووضع الأحاديث في زمن من ذكرهم من الأئمة لا علاقة له بهذه المسألة، فوضع الأحاديث لا يتوقف بوجود أهل العلم، وإنما أهل العلم يبينون حالها.
وأما التعامل مع الأحاديث الضعيفة فليس كما قال!! وإنما جوّز بعض أهل العلم العمل بالضعيف ضمن شروط في الفضائل والرقائق والأدب ونحوها .. وأما في (الملاحم والفتن) فلم يجوّزوها من باب العمل بالضعيف! فهي أخبار، فكيف يعملون بالضعيف في هذا! والإمام أحمد يقول: «ثلاثة كتب ليس لها أصول: التفسير والمغازي والملاحم» - يريد بهذا أن كثيراً من الكتب التي صنفت في هذه الأبواب فيها كثير من الأحاديث المنكرة والموضوعة. وقد قال الخطيب عن كتب الملاحم هذه: "وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة، والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من وجوه مَرضية، وطرق واضحة جلية".