فهذا الحديث يُنبئ بأن هناك اجتماع للروم في هذين المكانين المهمين «الأَعماق ودابِق» – مع الاختلاف بين الناس فيمن هم الروم! هل هم الأمريكان أم الروس أم هم وحلفاؤهم! - وأنه سيخرج إليهم جيش عظيم من «المدينة» لقتالهم، وقد اختلف أهل العلم في «المدينة» هنا! فقال بعضهم أنها مدينة «حلب»؛ لأن هاتين المنطقتين تتبعان لها، وليس المقصود بالمدينة «المدينة النبوية» لأنه – وبحسب أحاديث أخرى- فإن مدينة النبيّ تكون قد خربت آنذاك، وأن الجيش الذي يخرج لقتال هؤلاء هو «جيش المهدي»!
ولو أردنا تنزيل هذا الحديث على الواقع لما انطبق عليه؛ للاختلاف في المقصود بالمدينة وكذلك الجيش!! وهذا مبني على صحة الحديث وكذلك الأحاديث الأخرى المتعلقة بخراب المدينة وظهور المهدي!
وقد ناقشت كلّ ذلك في البحث الموسوم بـ «المَورد العذب الرائق» في حديث «الأَعماق ودابِق»! والذي أميل إليه أن الحديث لا يصح، فهو من غرائب سهيل بن أبي صالح وتفرداته ولم يُتابع عليه، وكانت أصابته آفة فصار يخطئ في أحاديثه، وله تفردات منكرة! ووردت أحاديث أخرى في «الأَعماق» وكلها لا يصح، وكثير منها يرجع إلى روايات كعب الأحبار ممن كان يروي الإسرائيليات!
وكذلك فإن إسقاط الحديث على هذا الواقع فيه نظر! فأحداث النهاية ليست متعلقة بهذين المكانين وغيرهما، ومن الخطأ بمكان ربط ذلك بظهور الدّجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام.
فمن الناس من يؤمن بهذا الحديث ويسقطه على الواقع ويستبشر به، بل إن الخصم يؤمن بهذا الحديث وهو يعمل جاهداً إلى عدم تحققه، ومن هنا رأينا في الواقع الاستماتة في عدم سقوط مدينة حلب بأيد بعض الناس، وإرسال تعزيزات عسكرية كثيرة لمنطقة دابق. فالإيمان بهذا الحديث جعل الخصم يحول دون تحققه كما هو الحال في بعض الأحاديث الأخرى كأحاديث المهدي، فإن بعض الناس يخشون من ظهور المهدي لئلا ينزع منهم المُلك، ولهذا يحاربون ظهوره! ومن هنا لا تكون النظرة إلى صحة الحديث وضعفه، وإنما فقط إلى صحته فقط من فئة معينة تسقطه على الواقع أو تحاول تحقيقه فيحاول الخصم عدم تحقق ذلك وهو يؤمن به كذلك!
ونظراً لأن هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم وصححه فليس من السهل على الناس تقبّل أنه لا يصح! ولهذا يُبنى عليه أشياء كثيرة حتى اعتقد بعضهم أنه يشير إلى الملحمة الكبرى وهي المسماة «هرمجدّون» بحسب اليمين الديني المسيحي اليهودي!!
وقد أوْلَت «الدولة الإسلامية» العناية الفائقة بهذا الحديث حيث أظهرت هذا المكان «دابق» في بعض إصدارتها، وأن الملحمة ستكون هناك، ومن هنا أطلقت اسم «دابق» على المجلة الإلكترونية التابعة لها باللغة الإنجليزية، وأطلقت اسم «الأعماق» على أحد أعمدة وكالات النشر عندها المتمثلة بنشر أخبار الدولة، وإصدار الفيديوهات في ذلك، وخاصة في معارك كوباني.
فهذان الاسمان «دابق» و «الأعماق» يُشكلان رفعاً للمعنويات لما تحمله من معان تاريخية ورمزية وكذلك دينية بحسب الحديث الذي في «صحيح مسلم».
لا شك بأن «الدولة الإسلامية» تعتقد بصحة الرواية المتعلقة بدابق والأعماق – لأنها في صحيح مسلم-؛ ولذلك حرصت على ذكرها في أدبياتها ومنشوراتها وخطب قادتها، فقد أشار أبو مصعب الزرقاوي إلى ملاحم دابق بقوله: "ها هي الشرارة قد انقدحت في العراق وسيتعاظم أوارها – بإذن الله – حتى تحرق جيوش الصليب في دابق"، ومع تمدد «الدولة الإسلامية» إلى الشام أصبحت دابق والأعماق أحد أهم المرتكزات في الخطاب الجهادي للدولة لإثارة الحماسة وجلب الأتباع والأنصار وترهيب الأعداء ممن تصفهم بالصليبيين والمنافقين والمرتدين.
فهل هذا الحديث سيتحقق وفق من يؤمن بصحة الحديث؟ أو أن من يستشهد به فقط من باب رفع الهمم والاستبشار به!