نَعَم ، هُم يفكرون بِهَا فَاَللَّهُ أَعْطَاهُم هَذِه الْعُقُول وَهَذِه الْأَفْكَار ليتدبروا بِهَا مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ، فَالْعَقْل أَدَّاه تُمين عَلَى فَهْمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَل قُدْرَتِه وَرُبُوبِيَّتِه وَاسْتِحْقَاقِه لِلْعِبَادَة دُونَ غَيْرِهِ ، فَالْعُقُول لَا تَسْتَقِلُّ لِإِدْرَاك الْمَنَافِع وَإِدْرَاك الْمَضَارّ ، وَتَمْيِيزٌ الْخَبِيثَ مِنْ الطِّيبِ ، وَلَكِن يُستعان بِهَا عَلَى فَهْمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى رِسْلِهِ ، ويُستعان بِهَا كَذَلِكَ عَل الابتكارات والاختراعات الَّتِي يَسْتَفِيدُ مِنْهَا النَّاسُ فِي حَيَاتِهِمْ ، فَإِذَا كَانَ بِمَقْدُور الْإِنْسَانُ أَنْ يَخْتَرِع إلَهٌ أَوْ يَصْنَعُ صِنَاعَة يَسْتَفِيدَ مِنْهَا النَّاسُ فِي حَيَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بمقدروه أبدًا أَنْ يُدْرِكَ الْأُمُور وَالْمُسْتَقْبَل ، أَوْ أَنَّ يَعْرِفَ الضَّارّ مِن النَّافِع مَعْرِفَةً تَامَّةً ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ مُجْمَلَةٌ ، وَلَكِن التَّفَاصِيل لَا يُدْرِكُهَا مَهْمَا أُوتِي مِنْ الْعَقْلِ وَالتَّفْكِير ، وَلَا يُدْرَكُ الْمُغَيَّبَات وَالْمُسْتَقْبَل ، فَهَذَا شَأْنُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ كُلُّ شَيْءٍ ، يُعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ ، وَلِذَلِك أَرْسَل الرُّسُل لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ إلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ ، وَالْمَنْهَج السَّلِيم ، وَالتَّفْكِير النَّافِع ، والتعقل الْمُفِيد ، وَبِدُون الرُّجُوعُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمُ وَبِدُون الرُّجُوعُ إلَى الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ ، فَإِن الْبَشَرِيَّة تَضِلّ وَتَهِيمٌ فَلَا تُصَلِّ إلَى غَايَةِ وَلَا إلَى نَتِيجَةٍ
68/1