فعثرة اللِّسَان أَشَدُّ مِنْ عَثْرَةٍ الرِّجْلِ ، الْجُرْح بِاللِّسَان أَعْظَمُ مِنْ الْجُرْحِ بِالسَّيْف و السِّلَاح ، لِأَنَّ الْجَرْحَ بِالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ يُعَالِج فَيُشْفَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، لَكِن جُرْح الْكَلِمَة السَّيِّئَة صَعُب عِلَاجُه وَرُبَّمَا يُقْتَل الْإِنْسَان بِسَبَب كَلِمَةٍ قَالَهَا ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فِي حَدِيثِ مَنَامِه الطَّوِيل رَأَى عَجَائِب قَصِّهَا عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْهَا أَنَّهُ رَأَى ثوراً يَخْرُجُ مِنْ جُحْرٍ ضِيق ثُمّ يُحَاوِلْ أنْ يَرْجِعَ فَيَدْخُل فَلَا يَسْتَطِيعُ ، ثَوْر يَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ ضِيق ثُمّ يُحَاوِلْ أنْ يَرْجِعَ لِيَدْخُل فَلَا يَسْتَطِيعُ ، فَسَأَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّم بِالْكَلِمَة الْخَبِيثَةِ فَلا يَسْتَطِيعُ رَدَّهَا ، هَذَا مِثَالٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلتَّوْضِيح ، فَهَذَا اللِّسَانِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْك أَيُّهَا الْعَبْدُ (خلق الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ البيان) خَلْقِه لِتَبَيُّن بِهِ وَ تُفْصِحُ عَنْ حاجاتك ومقاصدك ومطالبك الضَّرُورِيَّة الْحَاجِيَّة ، وَخُلُقَه لِأَعْظَم مِنْ هَذَا وَأَعْظَم فَائِدَةٌ وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، التَّسْبِيح ، التَّهْلِيل ، وَالنُّطْق الطَّيِّب ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، و النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَالْعِبَادَات الْقَوْلِيَّةِ الَّتِي يُؤَدِّيَهَا اللِّسَان كَثِيرَةٌ وَعَظِيمَة ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم (كلمتان خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثقيلتان فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ العظيم) ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم (والحمد لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرض) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَا مُوسَى ، لَمَّا طُلِبَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ مِنْ رَبِّهِ إِنْ يُعْلِمَهُ شَيْئًا يَذْكُرْه وَيَدْعُوه بِهِ قَالَ (يا مُوسَى قُلْ لَا إلَهَ إلَّا الله) ، قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ (يا رَبَّ كُلِّ عِبَادِك يَقُولُون هذا) فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (يا مُوسَى لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وعامرهن غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفِّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي كَفِّهِ مَالَت بِهِنَّ لَا إلَهَ إلَّا الله) ، السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِيهَا غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْأَرْضُون وَمَن فِيهَا مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ لَوْ وُضِعَتْ فِي كَفِّهِ الْمِيزَانِ وَوُضِعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَفِّهِ أُخْرَى لمالت لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بِكُلِّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَات الْعُلْوِيَّة و السُّفْلِيَّة لِعِظَمِهَا و مَكانَتِها عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى ،
215/1