تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَذَكَرَ اللَّهَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ ، دائمًا وأبدًا ، وَلِهَذَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ اللَّهِ ، إذَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَجِدِ رَاحَةٌ وَيَجِد لَذَّة وَيَجِد انْشِرَاح صَدْر ، هَذَا شَيْءٌ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ الْمُسْلِم ، شَيْءٌ وَاضِحٌ ، حِينَمَا يَتْلُو الْقُرْآنَ يَتَلَذَّذْ بِهِ وَيَأْنِسُ بِهِ ويألفه لِأَنَّه يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ ، لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَطْرُدُ عَنْهُ الشَّيْطَانُ ، وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُذْكَرُ وَاَلَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهَ قَالَ "مثل الْحَيّ والميت" ، الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهَ مِثْلَ الْحَيّ وَاَلَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهَ مِثْلَ الْمَيِّت ، يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ وَبِالْقَلْب وبالتفكر وَبِذَلِك يَعِيشُ فِي حَيَاتِهِ مطمئنًا ، يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ (أنه جَاءَ إلَى شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِي شَيْءٍ أَوْ يَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمُ فَوَجَدَه جالسًا يَذْكُرُ اللَّهَ ، فَهَاب أَنْ يُكْمِلَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ : مِنْ كَمْ أَنْت هُنَا ؟ قَالَ مَنْ كَذَا وَكَذَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ ، فَقَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا غدائي لَوْ لَمْ أتغدى مَا قَوِيتِ عَلَى الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فورده رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ غدائه الَّذِي يُقَوِّيهِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْأَعْمَالُ فِي يَوْمِهِ ، فَهَكَذَا المسلم) ، وَلِهَذَا يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ إنَّ لِلَّهِ جُنَّةٌ فِي الدُّنْيَا مِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةَ ، يَعْنِي ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَهُو جُنَّةٌ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يُرِيح الْمُسْلِم ويطمئنه ويشرح صَدْرِه وَيَذْهَب عَنْهُ الهُمُومَ وَيَطْرُدُ عَنْهُ الشَّيَاطِين ، فَهُو جُنَّةٌ ، يَتَلَذَّذُ بِهَا أَكْثَرُ مِمَّا يَتَلَذَّذ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ والمشتهيات ، وَلِهَذَا تَجِدُ الْإِنْسَانَ إذَا لَمْ يُورَدْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَفِي أَوَّلِ الصَّبَّاح وَفِي أَوَّلِ الْمَسَاء تَجِدُه منقبضًا ومستوحشًا ، فَإِذَا لَازِمٌ الْوَرْد وَالذِّكْرُ فِي أَوَّلِ الصَّبَّاح وَفِي أَوَّلِ الْمَسَاء تَجِدُه مطمئنًا ومنشرح الصَّدْر ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهِ يُلَازِم الْمُسْلِم دائمًا وأبدًا فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاء وَعِنْدَ النَّوْمِ وَعِنْدَ الِانْتِبَاهِ أَثْنَاءِ اللَّيْلِ وَأَثْنَاء النَّوْمِ وَعِنْدَ الْيَقَظَةِ ، ودائمًا ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ الْمُسْلِمِ وَعَلَى لِسَانِه ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أبدًا ، بِخِلَاف الْمُنَافِق وَالْكَافِر وَالْمُشْرِك وَالْفُسَّاق فَهَؤُلَاء لذتهم بِالْأَغَانِي وَالْمَزَامِير والمسرحيات والتمثيليات والمضحكات ، وَلَا يَأْلَفُون ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَلِهَذَا قَالَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ (وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَأْنَسُون بِذِكْرِ اللَّهِ ، إنَّمَا يَأْنَسُون بِذِكْر الشَّيْطَان ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ .

210/1

المحاضرات · الصفحة ٢١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضراتص ٢١٢