تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَهَذَا الصُنفْ مِنْ النَّاسِ قَاصِرَ النَّظَرِ لِأَنَّهُ قَصَّرَ نَظَرُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَيَاةَ ، وَظَنَّ أَنَّهَا هِيَ مَنَاطُ السَّعَادَة وَالْحَيَاة الطَّيِّبَةِ فِي شَهَوَاتِهَا وَمَتَاعُهَا ، فأُغريَ بِهَا وَقَصَر هِمَّتُه عَلَيْهَا أَمَّا لِأَنَّهُ لَا يُؤمنُ بِالْآخِرَة ، وَأَمَّا أنهُ يؤمنُ بِهَا وَلَكِنْ شَغَلَتْه الدُّنْيَا عنِ العملِ لَهَا ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا خَاسِرٌ وحياتهُ تعِسةٍ مَهْمَا أوتيَ مِنْ الْأَمْوَالِ والمُتع وَالْمَلَذَّات فَإِنَّ هَذَا استدراجٌ مِنْ اللَّهِ ، ومتاعٌ قَلِيلٍ ثُمَّ يُعْقِبهُ حسرةٌ دَائِمَة قَالَ تَعَالَى ( فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) ( التوبة:55) قال سبحانه ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ. مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) ( المؤمنون:56-55) ، فالدنيا يُعطيها اللَّهُ مِنْ يُحب وَمَنْ لَا يُحب كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عنِ النَّبِيّ "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" أَنَّهُ قَالَ (إن اللَّه يُعطي الدُّنْيَا مِنْ يُحب وَمَنْ لَا يُحب ، وَلَا يُعطي الدَّيْنِ إلَّا مِنْ يُحب) وَقَال (لو كَانَتْ الدُّنْيَا تُسَاوِي عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كافراً شربةَ ماء) وَكَان عيشُ النَّبِيّ "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" وَهُو سيدُ المرسلينِ وإمامُ الْمُتَّقِين ، كَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" كَان يجوعُ حَتَّى يربطُ الْحَجْرِ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ الْجُوعِ ، وَكَان يَنامُ عَلَى الْحَصِيرِ حَتَّى يُؤثر فِي جَنْبَةِ ، "عليه الصَّلَاة والسلام" وَكَان يُجاهد فِي سَبِيلِ اللَّهِ ويُجالد وَيَتَعَرَّض للأخطار ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" . وَلَوْ أَرَادَ هَذِهِ الدُّنْيَا لأعطاهُ اللَّهُ إيَّاهُ ، فَاَللَّه عُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يجعلهُ ملكاً رسولاَ كاداوود عَلَيْهِ السَّلَامُ وسُليمان عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ملكاً رسولاً ، أَو أنْ يَجْعَلُه رسولاً وَلَا يَكُونُ ملكاً فَاخْتَارَ أَنْ يكونُ رسولاً ، وَقَال أَجُوع يوماً وأشبعُ يوماً اخْتَار النَّبِيّ "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" هَذَا لِأَنَّ الدُّنْيَا متاعٌ زَايَل وغرورٌ ، (وما الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إلَّا متاعُ الغرور) ، مَهْمَا أوتيَ الْإِنْسَانُ مِنْهَا فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَزُولَ وَيَتْرُكُهَا ، وَأَمَّا إنْ تَزُولَ وتتركهُ ، إنَّمَا الحياةُ الْبَاقِيَة والحياةُ الطَّيِّبَة والحياةُ الدَّائِمَةَ هِيَ الدَّارُ الْآخِرَةِ ، قَالَ تَعَالَى (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) (العنكبوت:64)

193/1

المحاضرات · الصفحة ١٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضراتص ١٩٥