فَأهْلُ الْعِلْمِ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ ، وَتَشَهَّد بِهِ مَلَائِكَتَهُ ، فَكَانَت شَهَادَتُهُم مَقْرُونَة بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَشَهَادَة مَلَائِكَتَه عَلَى أَجَلٍ مَشْهُودٍ بِهِ وَهُوَ التَّوْحِيد ، فَهَذَا فِيهِ شَرَفٌ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ حُمِّلُوا هَذَا الْعِلْمِ حَقّ حَمْلُه ، وَقَامُوا بِوَاجِبَة ، هَؤُلَاء ذِكْرِ اللَّهِ شَهَادَتُهُم مَع شَهَادَتُه وَشَهَادَة مَلَائِكَتَه ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ،إذَا قِيلَ تفسحوا فِي الْمَجَالِسِ ، مَجَالِسِ الذِّكْرِ ، وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ فَاجْعَلُوا لِمَنْ جَاءَ يُرِيدُ طَلَبَ الْعِلْمِ ، وَيُرِيد الْجُلُوس مَعَكُم ، اجْعَلُوا لَه مكانًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ سَمَاعِ الْعِلْم ، ﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ يُوَسِّع لَكُم ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أَيْ قَوِّمُوا إلَى الصَّلَاةِ ، أَوْ إلَى غَيْرِهَا فَانْشُزُوا ، النّشَز هُنَا هُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ ، ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فَمَنْ قَامَ لِلصَّلَاةِ ، أَوْ قَامَ لِذِكْرِ اللَّهِ ، أَو أَفْسَح لِأَخِيه رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَدِم الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِدُون الْإِيمَانِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ الْمُعْتَبَر الَّذِي لَهُ الشَّرَف والمكانة هُوَ مَا كَانَ مسبوقًا بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِرَسُولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِكِتَابِه ، وَبِمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، كُلّ بِحَسَبِ مَا أَتَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَتَفَاوَتُون ، بَعْضُهُم أَرْفَعَ مِنْ بَعْضِ ، وَهُمْ فِي جُمْلَتِهِمْ أَرْفَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْخَلْقِ ، ثُمَّ قَالَ : ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ هَذَا يفيدنا أَنَّ ثَمَرَةَ الْعِلْمِ الْعَمَلَ ، وَأَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْعَمَلِ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ حَمَلَ العِلْمَ خَزَنَة فِي الصَّدْرِ والذاكرة وَالْمُبَاهَاة بِه ، وَطَلَب الدُّنْيَا أَوْ طَلَبَ الْمَطَامِع الدُّنْيَوِيَّة ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِالْعِلْم الْعَمَل ،
164/1