اما إذ كان قرشيا فليس بشيء، والله لأجاهدنه القتال، إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيرا، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير، فغضب حين قال ذلك عبد الله بن سنان الأسدي، فأمهله حتى إذا دخل عليه وهو نائم، فوضع الرمح بين كتفيه فقتله، ثم لحق بسعد فأسلم وقال في قتله النعمان بن قبيصة:
لقد غادر الأقوام ليلة أدلجوا بقصر العبادي ذا الفعال مجدلا
دلفت له تحت العجاج بطعنة فأصبح منها في النجيع مرملا
أقول له والرمح في نغض كتفه أبا عامر عنك اليمين تحللا
سقيت بها النعمان كأسا روية وعاطيته بالرمح سما مثملا
تركت سباع الجو يعرفن حوله وقد كان عنها لابن حية معزلا
كفيت قريشا إذ تغيب جمعها وهدمت للنعمان عزا مؤثلا
ولما لحق سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة وقيس بن مكشوح فيمن معهما، سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قادس- قرية إلى جانب العذيب- فنزل الناس بها، ونزل سعد في قصر العذيب، وأقبل رستم في جموع فارس ستين ألفا مما أحصي لنا في ديوانه، سوى التباع والرقيق، حتى نزل القادسية وبينه وبين الناس جسر القادسية، وسعد في منزله وجع، قد خرج به قرح شديد، ومعه أبو محجن بن حبيب الثقفي محبوس في القصر، حبسه في شرب الخمر، فلما أن نزل بهم رستم بعث إليهم أن ابعثوا إلي رجلا منكم جليدا أكلمه، فبعثوا إليه المغيره بن شعبه، فجاءه وفد فرق رأسه أربع فرق: فرقة من بين يديه إلى قفاه، وفرقة إلى أذنيه، ثم عقص شعره، ولبس بردا له، ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم، ورستم من وراء الجسر العتيق مما يلي