تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللهم إن المرء يمنع

رحله فامنح رحالك

وانصر على آل الصليب

وعابديه اليوم آلك

لا يغلبن صليبهم

ومحالهم أبدا محالك

ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال. وذكر مقاتل أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق فينتقم الله منهم، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة، برك الفيل، وخرج (نفيل بن حبيب) يشتد حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم، فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فنزعوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه الى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا يصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن (نفيل) ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش، وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:

أين المفر والإله الطالب

والأشرم المغلوب ليس الغالب

وذكر الواقدي بإسناده: أنهم لما تعبأوا لدخول الحرم، وهيأوا الفيل جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه ليقهر الفيل على دخول الحرم، وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة على حراء ينظرون ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم ﴿ طيرا أبابيل ﴾ أي قطعا قطعا صفرا دون الحمام وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت حلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا، قال عطاء: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعا، ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا، وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضوا عضوا حتى مات ببلاد خثعم، قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عليهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ إلى قوله: ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ ، وقوله:

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 4]. قال ابن هشام: " الأبابيل " الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة قال: وأما " السجيل " فأخبرني يونس النحوي أنه عند العرب الشديد الصلب، " والعصف " ورق الزرع الذي يقضب واحدته عصفة. انتهى ما ذكره. وقال ابن عباس والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضا، وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل الكثيرة، وقال مجاهد " أبابيل " شتى متتابعة مجتمعة، وقال ابن زيد: " الأبابيل " المختلفة تأتي من ههنا، ومن ههنا، أتتهم من كل مكان، وقال عكرمة: كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وعن ابن عباس ومجاهد: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب، وقال عبيد بن عمير: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجرا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا. وقال ابن عباس ﴿ حجارة من سجيل ﴾ قال: طين من حجارة.

وقوله تعالى: ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة هبور، وقال ابن عباس: العصف القشرة التي على الحبة كالغلاف على الحنطة، وقال ابن زيد: العصف ورق الزرع، وورق البقل إذا أكلته البهائم فراثته فصار درينا، المعنى أن الله سبحانه وتعالى أهلكهم ودمرهم وردهم بكيدهم وغيظهم، لم ينالوا خيرا، وأهلك عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما يروى لأمية بن أبي الصلت بن ربيعة قوله:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٨٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٨٧٤