تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بريح صرصر عاتية

[الحاقة: 6]، وقد ذكر الله قصتهم في القرآن، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: ﴿ إرم ذات العماد ﴾ عطف بيان زيادة تعريف بهم، وقوله تعالى: ﴿ ذات العماد ﴾ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكرهم (هود) بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال:

واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلآء الله... ولا تعثوا في الأرض مفسدين

[الأعراف: 69-74].

وقوله تعالى:

فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة

[فصلت: 15]، وقال ههنا: ﴿ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ أي القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم، وقال مجاهد: إرم أمة قديمة يعني عادا الأولى، قال قتادة والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد، وكانوا أهل عمد لا يقيمون، وقال ابن عباس: إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم، واختار الأول ابن جرير، وقوله تعالى: ﴿ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ الضمير يعود على القبيلة، أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد يعني في زمانهم، روي عن المقدام أنه ذكر ﴿ إرم ذات العماد ﴾ فقال:

" كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم "

، وسواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحهم يقاتلون به، أو طول الواحد منهم، فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما ههنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿ إرم ذات العماد ﴾ مدينة إما دمشق، أو اسكندرية أو غيرهما، فضعيف لأنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم، وقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ إرم ذات العماد ﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف، فيه نظر، لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: ﴿ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ﴾ يعني يقطعون الصخر بالوادي، قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها، يقال: اجتاب الثوب: إذا فتحه، وقال تعالى:

وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين

[الشعراء: 149]، وقال ابن إسحاق: كانوا عربا وكان منزلهم بوادي القرى، وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: ﴿ وفرعون ذى الأوتاد ﴾ قال ابن عباس: الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها، وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وقال السدي: كان يربط الرجل كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فيشدخه، وقال ثابت البناني: قيل لفرعون ذي الأوتاد، لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت، وقوله تعالى: ﴿ الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد ﴾ أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ أي أنزل عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين، وقوله تعالى: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى يعني يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٨٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٨٤٥