تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الله تعالى: ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ﴾ وهذا من باب التجانس البليغ، ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ﴾ أي آمنهم مما خافوا منه، ﴿ ولقاهم نضرة ﴾ أي في وجوههم، ﴿ وسرورا ﴾ أي في قلوبهم وهذه كقوله تعالى:

وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة

[عبس: 38-39] وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه. قال كعب بن مالك في حديثه الطويل:

" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر، وقالت عائشة رضي الله عنها، " دخل علي رسول الله صلى الله وسلم مسرورا تبرق أسارير وجهه " "

الحديث. وقوله تعالى: ﴿ وجزاهم بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم ﴿ جنة وحريرا ﴾ أي منزلا رحبا، وعيشا رغدا، ولباسا حسنا.

76.13-22

يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العظيم فقال تعالى: ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال، وقوله تعالى: ﴿ لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ﴾ أي ليس عندهم حر مزعج، ولا برد مؤلم، ﴿ ودانية عليهم ظلالها ﴾ أي قريبة إليهم أغصانها، ﴿ وذللت قطوفها تذليلا ﴾ أي متى تعاطاه دنا القطف إليه، تدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع، كما قال تعالى:

قطوفها دانية

[الحاقة: 23] قال مجاهد: إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتى ينالها فذلك قوله تعالى: ﴿ تذليلا ﴾ ، وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد، وقوله جلت عظمته: ﴿ ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ﴾ أي يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب وهي التي لا عرى لها ولا خراطيم، وقوله: ﴿ قواريرا من فضة ﴾ فالأول منصوب بخبر كان، أي كانت قوارير، والثاني منصوب إما على البدلية أو تمييز، قال ابن عباس: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتهم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة، وقوله تعالى: ﴿ قدروها تقديرا ﴾ أي على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي معدة لذلك مقدرة بحسب ري صاحبها، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة، وقال ابن عباس: ﴿ قدروها تقديرا ﴾ قدرت للكف، وقال الضحاك: على قدر كف الخادم، وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القدر والري.

وقوله تعالى: ﴿ ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ﴾ أي ويسقون - يعني الأبرار أيضا - في هذه الأكواب ﴿ كأسا ﴾ أي خمرا، ﴿ كان مزاجها زنجبيلا ﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل، وهو حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفا كما قاله قتادة وغير واحد، وقد تقدم قوله جلا وعلا:

عينا يشرب بها عباد الله

[الإنسان: 6]، وقال ههنا: ﴿ عينا فيها تسمى سلسبيلا ﴾ أي الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا، قال عكرمة، اسم عين في الجنة. وقال مجاهد: سميت بذلك لسلامة مسيلها وحدة جريها، وقوله تعالى: ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ﴾ أي يطوف على أهل الجنة ولدان من ولدان الجنة ﴿ مخلدون ﴾ أي على حالة واحدة، مخلدون عليها لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، وقوله تعالى: ﴿ إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ﴾ أي إذا رأيتهم في صباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم ﴿ حسبتهم لؤلؤا منثورا ﴾ ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن، قال قتادة: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه، وقوله جلا وعلا: ﴿ وإذا رأيت ﴾ أي وإذا رأيت يا محمد ﴿ ثم ﴾ أي هناك يعني في الجنة ونعيمها، وسعتها وارتفاعها، وما فيها من الحبرة والسرور ﴿ رأيت نعيما وملكا كبيرا ﴾ أي مملكة لله هناك عظيمة، وسلطانا باهرا، وثبت في الصحيح

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٨٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٨٠٥