تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين "

، قال الحسن ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: حسنة، ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى: ﴿ ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة، وقال السدي: تغير ألوانها، وقال ابن زيد ﴿ باسرة ﴾ أي عابسة ﴿ تظن ﴾ أي تستيقن ﴿ أن يفعل بها فاقرة ﴾ قال مجاهد: داهية، وقال قتادة: شر، وقال السدي: تستيقن أنها هالكة، وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار، وهذا المقام كقوله تعالى:

يوم تبيض وجوه وتسود وجوه

[آل عمران: 106]، وكقوله تعالى:

وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة

[عبس: 38-39]، وكقوله تعالى:

وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية

[الغاشية: 8-10] وأشباه ذلك من الآيات الكريمة.

75.26-40

يخبر تعالى عن حالة الاحتضار، وما عنده من الأهوال، ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت، فقال تعالى: ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ إن جعلنا (كلا) رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عيانا، وإن جعلناها بمعنى (حقا) فظاهر أي حقا إذا بلغت التراقي أي انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي جمع (ترقوة) وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق كقوله تعالى:

فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون

[الواقعة: 83-85]، ﴿ وقيل من راق ﴾؟ قال ابن عباس: أي من راق يرقي؟ وقال أبو قلابة؟ أي من طبيب شاف. وعن ابن عباس: ﴿ وقيل من راق ﴾ قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة، وقال ابن عباس في قوله: ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: التفت عليه الدنيا والآخرة، وعنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلقي الشدة بالشدة إلا من رحمه الله، وقال عكرمة: ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ الأمر العظيم بالأمر العظيم، وقال مجاهد: بلاء ببلاء، وقال الحسن البصري: هما ساقاك إذا التفتا، وكذا قال السدي عن الحسن: هو لفهما في الكفن، وقال الضحاك: ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.

وقوله تعالى: ﴿ إلى ربك يومئذ المساق ﴾ أي المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، منها أخرجهم تارة أخرى، كما ورد في حديث البراء الطويل، وقوله جل وعلا: ﴿ فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى ﴾ هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا، ولهذا قال تعالى: ﴿ فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ أي جذلان أشرا بطرا، لا همة له ولا عمل، كما قال تعالى:

وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين

[المطففين: 31]، وقال تعالى:

إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور

[الانشقاق: 13-14] أي يرجع، وقال ابن عباس: ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ أي يختال، وقال قتادة: يتبختر، قال الله تعالى: ﴿ أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى ﴾ وهذا تهديد ووعيد من الله تعالى للكافر، المتبختر في مشيه، أي يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك، وذلك على سبيل التهكم والتهديد، كقوله تعالى:

ذق إنك أنت العزيز الكريم

[الدخان: 49]، وكقوله تعالى:

كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون

[المرسلات: 46] وكقوله جل جلاله:

اعملوا ما شئتم

[فصلت: 40] إلى غير ذلك، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ﴿ أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى ﴾؟ قال: قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل، ثم أنزله الله عز وجل. وقال قتادة في قوله: ﴿ أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى ﴾ وعيد على أثر وعيد كما تسمعون، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم بمجامع ثيابه ثم قال: ﴿ أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى ﴾ ، فقال عدو الله أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا، وإني لأعز من مشى بين جبليها.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٨٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٨٠١